تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وكل من هذين الإدراكين - أعني إدراك الكمال أو النقص ، وإدراك الملاءمة أو عدمها - يكون على نحوين : 1 - أن يكون الإدراك لواقعة جزئية خاصة ، فيكون حكم الإنسان بالحسن والقبح بدافع المصلحة الشخصية . وهذا الإدراك لا يكون بقوة العقل ، لأن العقل شأنه إدراك الأمور الكلية لا الأمور الجزئية ، بل إنما يكون إدراك الأمور الجزئية بقوة الحس أو الوهم أو الخيال ، وإن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحا أو ذما لفاعله ولكن هذا المدح أو الذم لا ينبغي أن يسمى عقليا بل قد يسمى - بالتعبير الحديث - ( عاطفيا ) لأن سببه تحكيم العاطفة الشخصية ولا بأس بهذا التعبير . 2 - أن يكون الإدراك لأمر كلي ، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالا للنفس ، كالعلم والشجاعة ، أو لكونه فيه مصلحة نوعية كمصلحة العدل لحفظ النظام وبقاء النوع الإنساني . فهذا الإدراك إنما يكون بقوة العقل بما هو عقل ، فيستتبع مدحا من جميع العقلاء . وكذا في إدراك قبح الشيء باعتبار كونه نقصا للنفس كالجهل ، أو لكونه فيه مفسدة نوعية كالظلم ، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك ويستتبع ذما من جميع العقلاء . فهذا المدح والذم إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيتين ، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيين - فإنه يعتبر من الأحكام العقلية التي هي موضع النزاع . وهو معنى الحسن والقبح العقليين الذي هو محل النفي والإثبات . وتسمى هذه الأحكام العقلية العامة ( الآراء المحمودة ) و ( التأديبات الصلاحية ) . وهي من قسم القضايا المشهورات التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريات . فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات ، كما توهمه بعض الناس ومنهم الأشاعرة كما سيأتي في
المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 25 | الشيخ محمود قانصوه الشهابي العاملي