والإنسان بتجاربه الطويلة وبقوة تمييزه العقلي يستطيع أن يصنف الأشياء والأفعال إلى ثلاثة أصناف : ما يستحسن ، وما يستقبح ، وما ليس له هاتان المزيتان . ويعتبر هذا التقسيم بحسب ما له من الملاءمة والمنافرة ولو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة التي هي قد تسمو عند العقل على ما له من لذة وقتية أو ألم وقتي ، كمن يتحمل المشاق الكثيرة ويقاسي الحرمان في سبيل طلب العلم أو الجاه أو الصحة أو المال ، وكمن يستنكر بعض اللذات الجسدية استكراها لشؤم عواقبها .
وكل ذلك يدخل في الحسن والقبح بمعنى الملائم وغير الملائم ، قال القوشجي في شرحه للتجريد عن هذا المعنى : « وقد يعبر عنهما - أي الحسن والقبح - بالمصلحة والمفسدة فيقال : للحسن ما فيه مصلحة والقبح ما فيه مفسدة . وما خلا منهما لا يكون شيئا منهما » .
وهذا راجع إلى ما ذكرنا ، وليس المقصود أن للحسن والقبح معنى آخر بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة غير معنى الملاءمة والمنافرة ، فإن استحسان المصلحة إنما يكون للملاءمة واستقباح المفسدة للمنافرة .
وهذا المعنى من الحسن والقبح أيضا ليس للأشاعرة فيه نزاع ، بل هما عندهم بهذا المعنى عقليان ، أي مما قد يدركه العقل من غير توقف على حكم الشرع . ومن توهم أن النزاع بين القوم في هذا المعنى فقد ارتكب شططا ولم يفهم كلامهم .
ثالثا : إنهما يطلقان ويراد بهما المدح والذم ، ويقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية فقط . ومعنى ذلك : أن الحسن ما استحق فاعله عليه المدح والثواب عند العقلاء كافة ، والقبيح ما استحق عليه فاعله الذم والعقاب عندهم كافة .
وبعبارة أخرى أن الحسن ما ينبغي فعله عند العقلاء ، أي أن العقل عند الكل يدرك أنه ينبغي فعله ، والقبيح ما ينبغي تركه عندهم ، أي أن العقل عند الكل يدرك أنه لا ينبغي فعله أو ينبغي تركه .
المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 20
مساهمون: الشيخ محمود قانصوه الشهابي العاملي
ص٢٠