بل حسن الشيء يتوقف على وجود الذوق العام أو الخاص ، فإن الإنسان هو الذي يتذوق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشيء ملائما لنفسه ، فيكون حسنا عنده ، أو غير ملائم فيكون قبيحا عنده . فإذا اختلفت الأذواق في الشيء كان حسنا عند قوم قبيحا عند آخرين . وإذا اتفقوا في ذوق عام كان ذلك الشيء حسنا عندهم جميعا ، أو قبيحا كذلك .
والحاصل أن الحسن بمعنى الملائم ليس صفة واقعية للأشياء كالكمال ، وليس واقعية هذه الصفة إلا إدراك الإنسان وذوقه فلو لم يوجد إنسان يتذوق ولا من يشبهه في ذوقه لم تكن للأشياء في حد أنفسها حسن بمعنى الملاءمة .
وهذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث في الألوان ، إذ يقال إنها لا واقع لها بل هي تحصل من انعكاسات أطياف الضوء على الأجسام ، ففي الظلام حيث لا ضوء ليست هناك ألوان موجودة بالفعل ، بل الموجود حقيقة أجسام فيها صفات حقيقية هي منشأ لانعكاس الأطياف عند وقوع الضوء عليها ، وليس كل واحد من الألوان إلا طيفا أو أطيافا فأكثر تركبت .
وهكذا نقول في حسن الأشياء وجمالها بمعنى الملاءمة ، والشيء الواقعي فيها ما هو منشأ الملاءمة في الأشياء كالطعم والرائحة ونحوهما ، الذي هو كالصفة في الجسم إذ تكون منشأ لانعكاس أطياف الضوء .
كما أن نفس اللذة والألم أيضا أمران واقعيان ولكن ليسا هما الحسن والقبح اللذان ليسا هما من صفات الأشياء ، واللذة والألم من صفات النفس المدركة للحسن والقبح .
2 - وأما ( الحسن بمعنى ما ينبغي أن يفعل عند العقل ) فكذلك ليس له واقعية إلا إدراك العقلاء ، أو فقل تطابق آراء العقلاء . والكلام فيه كالكلام في الحسن بمعنى الملاءمة . وسيأتي تفصيل معنى تطابق العقلاء على المدح والذم أو إدراك العقل للحسن والقبح .
المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 22
مساهمون: الشيخ محمود قانصوه الشهابي العاملي
ص٢٢