وهذا الإدراك للعقل هو معنى حكمه بالحسن والقبح ، وسيأتي توضيح هذه النقطة ، فإنها مهمة جدا في الباب .
وهذا المعنى الثالث هو موضوع النزاع ، فالأشاعرة أنكروا أن يكون للعقل إدراك ذلك من دون الشرع ، وخالفتهم العدلية فأعطوا للعقل هذا الحق من الإدراك .
تنبيه :
ومما يجب أن يعلم هنا أن الفعل الواحد قد يكون حسنا أو قبيحا بجميع المعاني الثلاثة ، كالتعلم والحلم والإحسان ، فإنها كمال للنفس ، وملاءمة لها باعتبار ما لها من نفع ومصلحة ، ومما ينبغي أن يفعلها الإنسان عند العقلاء .
وقد يكون الفعل حسنا بأحد المعاني ، قبيحا أوليس بحسن بالمعنى الآخر كالغناء - مثلا - فإنه حسن بمعنى الملاءمة للنفس ولذا يقولون عنه إنه غذاء للروح ، وليس حسنا بالمعنى الأول أو الثالث فإنه لا يدخل عند العقلاء بما هم عقلاء فيما ينبغي أن يفعل وليس كمالا للنفس وإن كان هو كمالا للصوت بما هو صوت فيدخل في المعنى الأول للحسن من هذه الجهة ، ومثله التدخين أو ما تعتاده النفس من المسكرات والمخدرات فإن هذه حسنة بمعنى الملاءمة فقط ، وليس كمالا للنفس ولا مما ينبغي فعلها عند العقلاء بما هم عقلاء .
2 - واقعية الحسن والقبح في معانيه ورأي الأشاعرة
إن الحسن بالمعنى الأول أي الكمال وكذا مقابلة أي القبح أمر واقعي خارجي لا يختلف باختلاف الأنظار والأذواق ، ولا يتوقف على وجود من يدركه ويعقله . بخلاف الحسن بالمعنيين الأخيرين .
وهذا ما يحتاج إلى التوضيح والتفصيل ، فنقول :
1 - أما ( الحسن بمعنى الملاءمة ) ، وكذا ما يقابله ، فليس له في نفسه بإزاء في الخارج يحاذيه ويحكي عنه ، وإن كان منشؤه قد يكون أمرا خارجيا ، كاللون والرائحة والطعم وتناسق الأجزاء ونحو ذلك .