تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
لأنها نقصان في وجود النفس وقوتها . ولا ينافي ذلك أنه يقال للأولى حسنة وللثانية قبيحة باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين . وليس للأشاعرة ظاهرا نزاع في الحسن والقبح بهذا المعنى ، بل جملة منهم يعترفون بأنهما عقليان ، لأن هذه من القضايا اليقينيات التي وراءها واقع خارجي تطابقه ، على ما سيأتي . ثانيا : أنهما قد يطلقان ويراد بهما الملاءمة للنفس والمنافرة لها ، ويقعان وصفا بهذا المعنى أيضا للأفعال ومتعلقاتها من أعيان وغيرها . فيقال في المتعلقات : هذا المنظر حسن جميل . هذا الصوت حسن مطرب ، هذا المذوق حلو حسن . . . وهكذا . ويقال في الأفعال : نوم القيلولة حسن . الأكل عند الجوع حسن . والشرب بعد العطش حسن . وهكذا . وكل هذه الأحكام لأن النفس تلتذ بهذه الأشياء وتتذوقها لملاءمتها لها . وبضد ذلك يقال في المتعلقات والأفعال : هذا المنظر قبيح . ولولة النائحة قبيحة . النوم على الشبع قبيح . . . وهكذا . وكل ذلك لأن النفس تتألم أو تشمئز من ذلك . فيرجع معنى الحسن والقبح - في الحقيقة - إلى معنى اللذة والألم ، أو فقل إلى معنى الملاءمة للنفس وعدمها ، ما شئت فعبر فإن المقصود واحد . ثم أن هذا المعنى من الحسن والقبح يتسع إلى أكثر من ذلك ، فإن الشيء قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذة أو ألما ، ولكنه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذ به النفس أو تتألم منه يسمى أيضا حسنا أو قبيحا ، بل قد يكون الشيء في نفسه قبيحا تشمئز منه النفس كشرب الدواء المر ولكنه باعتبار ما يعقبه من الصحة والراحة التي هي أعظم بنظر العقل من ذلك الألم الوقتي يدخل فيما يستحسن . كما قد يكون الشيء بعكس ذلك حسنا تلتذ به النفس كالأكل اللذيذ المضر بالصحة ، ولكن ما يعقبه من مرض أعظم من اللذة الوقتية يدخل فيما يستقبح .