ومنها ما ليس له هذان الوصفان . والشارع لا يأمر إلا بما هو حسن ولا ينهى إلا عما هو قبيح ، فالصدق في نفسه حسن ولحسنه أمر اللّه تعالى به ، لا أنه أمر اللّه تعالى به فصار حسنا ، والكذب في نفسه قبيح ولذلك نهي اللّه تعالى عنه ، لا أنه نهى عنه فصار قبيحا .
هذه خلاصة الرأيين : وأعتقد عدم اتضاح رأي الطرفين بهذا البيان ، ولا تزال نقط غامضة في البحث إذا لم نبينها بوضوح لا نستطيع أن نحكم لأحد الطرفين . وهو أمر ضروري مقدمة للمسألة الأصولية ، ولتوقف وجوب المعرفة عليه .
فلا بد من بسط البحث بأوسع مما أخذنا على أنفسنا من الاختصار في هذا الكتاب ، لأهمية هذا الموضوع من جهة ، ولعدم اعطائه حقه من التنقيح في أكثر الكتب الكلامية والأصولية من جهة أخرى .
وأكلفكم قبل الدخول في هذا البحث بالرجوع إلى ما حررته في الجزء الثالث من المنطق ص 17 - 23 عن القضايا المشهورات ، لتستعينوا به على ما هنا .
والآن اعقد البحث هنا في أمور :
1 - معنى الحسن والقبح وتصوير النزاع فيهما
إن الحسن والقبح لا يستعملان بمعنى واحد ، بل لهما ثلاث معان ، فأي هذه المعاني هو موضوع النزاع ؟ فنقول :
أولا : قد يطلق الحسن والقبح ويراد بهما الكمال والنقص . ويقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية ولمتعلقات الأفعال . فيقال مثلا : العلم حسن ، والتعلم حسن ، وبضد ذلك يقال : الجهل قبيح وإهمال التعلم قبيح .
ويراد بذلك أن العلم والتعلم كمال للنفس وتطور في وجودها ، وأن الجهل وإهمال التعلم نقصان فيها وتأخر في وجودها .
وكثير من الأخلاق الإنسانية حسنها وقبحها باعتبار هذا المعنى ، فالشجاعة والكرم والحلم والعدالة والانصاف ونحو ذلك إنما حسنها باعتبار أنها كمال للنفس وقوة في وجودها . وكذلك أضدادها قبيحة