الثانية : بعد فرض إمكان نفي الشارع حجية القطع هل نهى عن الأخذ بحكم العقل وإن استلزم القطع كقول الإمام عليه السّلام : « إن دين اللّه لا يصاب بالعقول » على تقدير تفسيره بذلك ؟ .
والنزاع في هاتين الناحيتين وقع مع الأخباريين جلهم أو كلهم .
الثالثة : بعد فرض عدم إمكان نفي الشارع حجية القطع هل معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل هو أمره ونهيه ، أو أن حكمه معناه إدراكه وعلمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه وهو شيء آخر غير أمره ونهيه فإثبات أمره ونهيه يحتاج إلى دليل آخر ولا يكفي القطع بأن الشارع حكم بما حكم به العقل ؟ .
وعلى كل حال فإن الكلام في هذه النواحي سيأتي في مباحث الحجة ( المقصد الثالث ) وهو النزاع في حجية العقل . وعليه فنحن نتعرض هنا للمباحث الثلاثة الأولى ، ونترك المبحث الرابع بنواحيه إلى المقصد الثالث :
* * *
المبحث الأول التحسين والتقبيح العقليان
اختلف الناس في حسن الأفعال وقبحها هل أنهما عقليان أو شرعيان ، بمعنى أن الحاكم بهما العقل أو الشرع .
فقالت الأشاعرة : لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها ، وليس الحسن والقبح عائدا إلى أمر حقيقي حاصل فعلا قبل ورود بيان الشارع ، بل أن ما حسنه الشارع فهو حسن وما قبحه الشارع فهو قبيح . فلو عكس الشارع القضية فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعا وانقلب الأمر فصار القبيح حسنا والحسن قبيحا ، ومثلوا لذلك بالنسخ من الحرمة إلى الوجوب ومن الوجوب إلى الحرمة .
وقالت العدلية : إن للأفعال قيما ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع فمنها ما هو حسن في نفسه ، ومنها ما هو قبيح في نفسه ،