كريه رائحة الفم - كما يمثلون - وإن رخص الواضع . ومؤيد ذلك اتفاق اللغات المختلفة غالبا في المعاني المجازية فترى في كل لغة يعبر عن الرجل الشجاع باللفظ الموضوع للأسد . وهكذا في كثير في المجازات الشائعة عند البشر .
شرح
إذن عام من الواضع يقول بأن كل ما استحسنه العرف فأنا أجوز استعمال اللفظ فيه فيكون على هذا الإذن كل ما حكم العرف بصحته مجاز من قبل الواضع أي يكون صحيحا لغة .
فإن قلت من أين نحرز وجود هذا الإذن العام من الواضع .
قلت نحرزه عن طريق دعوى أن الحكمة تقتضي جعل اللغة على مذاق أبنائها ولا يناسب للحكيم أن يضع قواعد على خلاف ذوق المستعملين وعليه فيلزم أن يكون الواضع قد أذن بكل ما استحسنه العرف .
هذا ولكن هذا الجواب ضعيف لأنا لا نعلم أن الواضع رجلا حكيما فلعله رجلا ظالما أو سفيها .
هذا ولو تم هذا المسلك حصل التصالح بين القولين وانتفى الخلاف كما لا يخفى .
المسلك الثاني : وهو الصحيح وحاصله أن وضع الواضع ليس علة تامة لدخول الموضوع في اللغة فلو أنك أنت أو غيرك وضعت لفظا مثلا ( حسق ) لمعنى رجل مثلا فإن مجرد هذا الوضع لا يكون علة تامة تقتضي دخول كلمة حسق في اللغة العربية أو غيرها .
بل العلة التامة لدخول الموضوع في اللغة ليست سوى قبول أبناء اللغة فما قبلوه دخل في اللغة وما ردوه لم يدخل في اللغة حتى ولو وضعه الواضع ألف مرة .
وحينئذ نقول لو أن الواضع اشترط شرطا مخالفا لذوق أبناء اللغة ردوه بطبعهم فيكون هذا الشرط خارجا من اللغة .
وكذلك لو أن أهل اللغة قبلوا شرطا لم يضعه الواضع دخل هذا الشرط في اللغة فالعلة الحقيقية للدخول في اللغة هي قبول أهل اللغة وذلك