والسر في ذلك واضح ، لأن الخبر ذا الوسائط يتضمّن في الحقيقة عدّة أخبار متتابعة ، إذ أن كل طبقة تخبر عن خبر الطبقة السابقة عليها ، فحينما يقول جماعة :
حدثنا جماعة عن كذا بواسطة واحدة مثلا ، فإن خبر الطبقة الأولى الناقلة لنا يكون في الحقيقة خبرها ليس عن نفس الحادثة بل عن خبر الطبقة الثانية عن الحادثة .
وكذلك إذا تعددت الوسائط إلى أكثر من واحدة فهذه الوسائط هي خبر عن خبر حتى تنتهي إلى الواسطة الأخيرة التي تنقل عن نفس الحادثة ، فلا بدّ أن يكون الجماعة الأولى خبرها متواترا عن خبر متواتر عن متواتر وهكذا ، إذ كل خبر من هذه الأخبار له حكمه في نفسه . ومتى اختل شرط التواتر في طبقة واحدة خرج الخبر جملة عن كونه متواترا وصار من أخبار الآحاد .
شرح
عن النبي « صلى الله عليه وآله » متواترة من قبيل حديث « من كذّب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار » ، قالوا : هذا حديث متواتر . نحن نؤمن أيضا بأن حديث الغدير حديث متواتر بألفاظه يعني : نفس هذه الألفاظ تواترت .
- أما إذا فرضنا إن المحور المشترك ليس قضيّة لفظيّة معيّنة وإنما معنى من المعاني والإخبارات لا تشترك في اللفظ في مقام الإخبار عن ذلك المعنى الواحد ، وإنما هي كلها تعبّر عن ذلك المعنى لكن بألفاظ مختلفة . هذا التواتر نسمّيه بالتواتر المعنوي . من قبيل تواتر الأخبار في مقام الإخبار عن شجاعة الإمام علي أمير المؤمنين « عليه السلام » لأنه إخبار . هذه القضيّة المشتركة نحن فهمناها من مجموع أخبار مختلفة بالألفاظ .
- وتارة : نفترض إن المحور المشترك ليس هو لفظا معيّنا ، ولا هو معنى معينا وإنما هو لازم منتزع من مجموع الإخبارات . هذا نسميه بالتواتر الإجمالي . مثاله : أن يلاحظ الفقيه أحاديث كثيرة متعدّدة في قضايا مختلفة ، مثلا : يلاحظ أحاديث كتاب الوسائل بأجمعها حينئذ يقطع بأن هذه الأحاديث فيها على الأقل حديث واحد صادق لكن أي واحد ؟ هو لا يدري . فهذا هو التواتر الإجمالي . فلازم هذه الأحاديث الكثيرة صدق واحد منها على الأقل ؛ لأن احتمال كذب جميع هذه الأخبار ( الأحاديث ) احتمال غير معتد به وغير عقلانيّ ، فصحة خبر واحد على الأقل وصلت إلى اليقين ، وهذا إنما وجد من وجود أحاديث كثيرة مختلفة لفظا ومعنى ، أي : مختلفة في ألفاظها وفي معانيها ، فهي غير مشتركة في محور لفظي ولا معنويّ ، وإنما لازم مجموعها وجود ولو حديث واحد صادق لاستحالة كذب الجميع . واستحالة كذب جميعها يعني : حصول صدق ولو واحد منها على الأقل ، فصحة واحد على الأقل منتزع من مجموع هذه الأخبار . هذا يسمّى بالتواتر الإجمالي فيقال : أن صحّة ولو حديث واحد من كتاب الوسائل متواتر ولو تواترا إجماليّا » « 1 » .
هامش
( 1 ) تقريراتي لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي على الحلقة الثالثة .