تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
ذلك ، وذلك فيما إذا صدر منه الفعل محفوفا بالقرينة ؛ كأن يحرز أنه في مقام بيان حكم من الأحكام أو عبادة من العبادات كالوضوء والصلاة ونحوهما ، فإنه حينئذ يكون لفعله ظهور في وجه الفعل من كونه واجبا أو مستحبا أو غير ذلك حسبما تقتضيه القرينة . ولا شبهة في أن هذا الظهور حجة كظواهر الألفاظ بمناط واحد ، وكم استدل الفقهاء على حكم أفعال الوضوء والصلاة والحج وغيرها وكيفياتها بحكاية فعل النبي أو الإمام في هذه الأمور . كل هذا لا كلام ولا خلاف لأحد فيه . وإنما وقع الكلام للقوم في موضعين : 1 - في دلالة فعل المعصوم المجرد عن القرائن على أكثر من إباحة الفعل ، فقد قال بعضهم : إنه يدل بمجرده على وجوب الفعل بالنسبة إلينا . وقيل : يدل على استحبابه . وقيل : لا دلالة له على شيء منهما ، أي : إنه لا يدل على أكثر من إباحة الفعل في حقنا . والحق : هو الأخير ؛ لعدم ما يصلح أن يجعل له مثل هذه الدلالة . وقد يظن ظان : أن قوله تعالى في سورة الأحزاب ( 21 ) :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
يدل على وجوب التأسي والاقتداء برسول الله « صلى الله عليه وآله » في أفعاله ، ووجوب الاقتداء بفعله يلزم منه وجوب كل فعل يفعله في حقنا وإن كان بالنسبة إليه لم يكن واجبا ، إلّا ما دل الدليل الخاص على عدم وجوبه في حقنا . وقيل : إنه إن لم تدل الآية على وجوب الاقتداء فعلى الأقل تدل على حسن الاقتداء به واستحبابه . وقد أجاب العلامة الحلي عن هذا الوهم فأحسن ، كما نقل عنه ، إذ قال : ( إن الأسوة عبارة عن الإتيان بفعل الغير لأنه فعله على الوجه الذي فعله ، فإن كان واجبا تعبدنا بإيقاعه واجبا ، وإن كان مندوبا تعبدنا بإيقاعه مندوبا ، وإن كان مباحا تعبدنا
شرح
وما يناظره من الأدلة الشرعية الدالة على جعل النبي والإمام قدوة ، فإن فرض ذلك يقتضي إلغاء دخل النبوة والإمامة في سلوكها لكي يكون قدوة لغير النبي والإمام ، فما لم يثبت بدليل أن الفعل المعين من مختصات النبي والإمام يبنى على عدم الاختصاص .