على الأقل ، كما أن تركه لفعل يدل على عدم وجوبه على الأقل .
ولا شك في : أن هذه الدلالة بهذا الحد أمر قطعي ليس موضعا للشبهة بعد ثبوت عصمته . ثم نقول بعد هذا : إنه قد يكون لفعل المعصوم من الدلالة ما هو أوسع من
شرح
الواجب في الوضوء ، وهذا كما قلنا لا كلام فيه . وإنما الكلام وقع في الفعل الخالي والمجرد عن القرينة هل يستفاد منه وجوب هذا الفعل أو استحبابه أم لا ؟
هنا يقال : إنه لا إشكال في أن الفعل الصادر من الإمام المعصوم لا يدل على الحرمة ، كما أن ترك الفعل يدل على عدم وجوبه ، يبقى سؤال يطرح نفسه هل فعل المعصوم « عليه السلام » يستفاد منه الوجوب أو الاستحباب أم لا ؟ وفي مقام الجواب نقول : هناك من ذهب إلى الالتزام بدلالة الفعل على الاستحباب أو الوجوب ، وهناك من ذهب إلى الالتزام بعدم الدلالة .
ومن ذهب إلى أن فعل المعصوم « عليه السلام » يدل على استحبابه ورجحانه فيما إذا كان فعله « عليه السلام » عبادة - وإلّا إذا كان فعله « عليه السلام » غير عبادي فإنه لا يدل على كونه راجحا ( واجبا أو مستحبا ) . لأنه قد يكون فعله مباح . إذا : إذا كان فعل المعصوم عباديا فإنه يدل على مشروعيته ورجحانه .
- هل يدل فعل المعصوم « عليه السلام » على المكروه ؟ وبعبارة أخرى : هل نستطيع أن نستفيد من صدور الفعل من المعصوم « عليه السلام » عدم الكراهية ؟ هذه المسألة مبنية على مسألة كلامية وهي : هل إن المعصوم يصدر منه المكروه أم لا ؟ الجواب : المعصوم « عليه السلام » لا يترك الأولى بفعل المكروه . وعليه :
نستطيع أن نستفيد من الترك عدم استحباب المتروك ، كما نستفيد من الفعل عدم كونه مكروها . ويذكر السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » نقطة مهمة في الموضوع وهي : دلالة ترك المعصوم على عدم استحباب المتروك ، ودلالة فعل المعصوم على عدم كونه مكروها إنما تتحقق في إثبات حكم لمكلف عند افتراض وحدة الظروف المحتمل دخلها في الحكم الشرعي ، بمعنى : لا بدّ أن يكون ظرف المكلف متحدا مع ظرف المعصوم - فعند ما يجد المكلف ظرفه متحدا مع ظرف الحسين « عليه السلام » في ثورته يتعين حينئذ وجوب الجهاد وإعلان الثورة على الظالمين . وهكذا - وقلنا بوحدة الظروف وذلك لأن الفعل لما كان دالا صامتا وليس له إطلاق فلا يعين ما هي الظروف التي لها دخل في إثبات ذلك الحكم للمعصوم ، فما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن أن نثبت الحكم .
ثم عقب السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » بإثارة اعتراض عام في المقام ، وهو أن نفس النبوة والإمامة ظرف يميز المعصوم دائما عن غيره من الناس العاديين ، فكيف يمكن أن نثبت الحكم على أساس فعل المعصوم ؟ بعبارة أخرى : فإن العصمة ظرف الإمام « عليه السلام » ، وهذه الصفة غير متوفرة في الناس العاديين ، فالطريق غير متحد ما بين الإمام المعصوم « عليه السلام » وبين المكلفين لعدم عصمتهم فكيف يمكن أن نثبت الحكم على أساس فعل المعصوم ؟
والجواب على ذلك : « إن احتمال دخل هذا الظرف في الحكم المكتشف ملغى بقوله تعالىلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ« 1 » .
هامش
( 1 ) الأحزاب : 21 .