ومن هنا يظهر الفرق الحقيقي بين النسخ وبين التخصيص والتقييد . وسيأتي مزيد إيضاح لهذه الناحية في جواب الاعتراضات على النسخ .
وقولنا : ( من الأحكام ونحوها ) : فلبيان تعميم النسخ للأحكام التكليفية والوضعية ، ولكل أمر بيد الشارع رفعه ووضعه بالجعل التشريعي بما هو شارع .
وعليه : فلا يشمل النسخ الاصطلاحي المجعولات التكوينية التي بيده رفعها ووضعها بما هو خالق الكائنات .
وبهذا التعبير يشمل النسخ نسخ تلاوة القرآن الكريم على القول به ، باعتبار أن القرآن من المجعولات الشرعية التي ينشئها الشارع بما هو شارع ، وإن كان لنا كلام في دعوى نسخ التلاوة من القرآن ليس هذا موضع تفصيله ، ولكن بالاختصار نقول :
إن نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي ، سواء كان نسخا لأصل التلاوة أو نسخا لها ولما تضمنته من حكم معا ، وإن كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة كقوله تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
وقوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ؛
ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك ، ولا
شرح
والجواب عنها : أن الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة من قبل الحكيم تعالى على نوعين :
أحدهما : ما لا يراد منه البعث أو الزجر الحقيقيين كالأحكام الصادرة لغرض الامتحان أو ما شاكله .
ومن الواضح : إنه لا مانع من إثبات هذا النوع من الأحكام أولا ثم رفعه ، حيث أن كلا من الإثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة ، فلا يلزم من رفعه خلاف الحكمة ، لفرض أن حكمته - وهي الامتحان - قد حصلت في الخارج ومع حصولها فلا يعقل بقاؤه ، ولا كشف الخلاف المستحيل في حقه تعالى حيث لا واقع له غير هذا .
وثانيهما : ما يراد منه البعث أو الزجر الحقيقي يعني : أن الحكم المجعول حكما حقيقيا ومع ذلك لا مانع من نسخه بعد زمان ، والمراد من النسخ كما عرفت : هو انتهاء الحكم بانتهاء أمده يعني : أن المصلحة المقتضية لجعله تنتهي في ذلك الزمان فلا مصلحة له بعد ذلك .
وعليه : فبطبيعة الحال يكون الحكم المجعول على طبقها بحسب مقام الثبوت مقيدا بذلك الزمان الخاص ؛ المعلوم عند الله تعالى المجهول عند الناس ، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لانتهاء أمده الذي قيد به في الواقع وحلول أجله الواقعي الذي أنيط به ، وليس المراد منه رفع الحكم الثابت في الواقع ونفس الأمر حتى يكون مستحيلا على الحكيم تعالى العالم بالواقعيات .
فالنتيجة : أن النسخ بالمعنى المذكور أمر ممكن جزما ولا يلزم منه شيء من المحذورين المتقدمين .