لقياسهما على المصالح والمفاسد التي تتبدل وتتغير بحسب اختلاف الأحوال والأزمان ، ولا يبعد في أن يكون الشيء ذا مصلحة في زمان ذا مفسدة في زمان آخر ، وإن كان لا يعلم ذلك إلّا من قبل الشارع العالم المحيط بحقائق الأشياء ، وهذا غير معنى الحسن والقبح اللذين نقول فيهما أنه يستحيل فيهما الانقلاب .
مضافا إلى : أن الأشياء تختلف فيها وجوه الحسن والقبح باختلاف الأحوال مما لم يكن الحسن والقبح فيه ذاتيين ، كما تقدم هناك .
وإذا كان الأمر كذلك فمن الجائز أن يكون الحكم المنسوخ كان ذا مصلحة ثم زالت في الزمان الثاني فنسخ ، أو كان ينطبق عليه عنوان حسن ثم زال عنه العنوان في الزمان الثاني فنسخ ، فهذه هي الحكمة في النسخ .
3 - وقيل : إذا كان النسخ - كما قلتم - لأجل انتهاء أمد المصلحة ، فينتهي أمد الحكم بانتهائها ، فإنه - والحال هذه - إما أن يكون الشارع الناسخ قد علم بانتهاء أمد المصلحة من أوّل الأمر وإما أن يكون جاهلا به .
لا مجال للثاني ؛ لأن ذلك مستحيل في حقه تعالى ، وهو البداء الباطل المستحيل فيتعين الأوّل ، وعليه : فيكون الحكم في الواقع مؤقتا وإن أنشأه الناسخ مطلقا في الظاهر ، ويكون الدليل على النسخ في الحقيقة مبينا وكاشفا على مراد الناسخ .
وهذا هو معنى التخصيص ، غاية الأمر : يكون تخصيصا بحسب الأوقات ( 1 ) لا الأحوال ( 2 ) ، فلا يكون فرق بين النسخ والتخصيص إلّا بالتسمية .
والجواب : نحن نسلم أن الحكم المنسوخ ينتهي أمده في الواقع والله عالم بانتهائه ، ولكن ليس معنى ذلك أنه مؤقت ، أي : مقيد إنشاء بالوقت ، بل هو قد أنشئ على طبق المصلحة مطلقا على نحو القضايا الحقيقية ، فهو ثابت ما دامت المصلحة كسائر الأحكام المنشأة على طبق مصالحها ، فلو قدر للمصلحة أن تستمر لبقي الحكم مستمرا ، غير أن الشارع لما علم بانتهاء أمد المصلحة رفع الحكم ونسخه .
وهذا نظير أن يخلق الله الشيء ، ثم يرفعه بإعدامه ، وليس معنى ذلك أن يخلقه مؤقتا على وجه يكون التوقيت قيدا للخلق والمخلوق بما هو مخلوق ؛ وإن علم به من
شرح
( 1 ) ومثاله : لا تصم يوم العيدين مثلا ، فهذا تخصيص لعمومات استحباب الصوم .
( 2 ) ومثاله : لا تصم حالة كونك ضعيفا ، هذا تخصيص أحوال لعمومات استحباب الصوم .