تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
الظاهري بسبب الظهور اللفظي ، ولذلك فرفع الحكم - الثابت بظهور العموم أو الإطلاق - بالدليل المخصص أو المقيد لا يسمى نسخا ؛ بل يقال له : تخصيص أو تقييد أو نحوهما ، باعتبار أن هذا الدليل الثاني المقدم على ظهور الدليل الأوّل يكون قرينة عليه وكاشفا عن المراد الواقعي للشارع ، فلا يكون رافعا للحكم إلّا ظاهرا ، ولا رفع فيه للحكم حقيقة بخلاف النسخ .
شرح
الخارج ، فإن قوام تلك القضايا إنما هو بفرض وجود موضوعها فيه سواء أكان موجودا حقيقة أم لم يكن ، مثلا : قول الشارع : ( شرب الخمر حرام ) ليس معناه أن هنا خمرا في الخارج وأن هذا الخمر محكوم بالحرمة في الشريعة ، بل مرده هو : أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة فيها سواء أكان موجودا في الخارج أو لم يكن . الثانية : مرتبة الفعلية وهي مرتبة ثبوت ذلك الحكم في الخارج بثبوت موضوعه فيه ، مثلا : إذا تحقق الخمر في الخارج تحققت الحرمة المجعولة له في الشريعة المقدسة . ومن الطبيعي أن هذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها خارجا فلا يعقل انفكاكها عنه ، حيث أن نسبة الحكم إلى الموضوع من هذه الناحية نسبة المعلول إلى العلة التامة ، وعليه : فإذا انقلب الخمر خلا فبطبيعة الحال ترتفع تلك الحرمة الفعلية الثابتة له في حال خمريته ، ضرورة : إنه لا يعقل بقاء الحكم مع ارتفاع موضوعه . وبعد ذلك قال السيد « قدّس سرّه » : ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه ليس من النسخ في شيء ولا كلام في إمكانه ووقوعه في الخارج ، وإنما الكلام في إمكان ارتفاع الحكم عن موضوعه ( المفروض وجوده ) في عالم التشريع والجعل ، المعروف والمشهور بين المسلمين هو إمكان النسخ بالمعنى المتنازع فيه ( رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والجعل ) ، وخالف في ذلك اليهود والنصارى فادعوا استحالة النسخ ، واستندوا في ذلك إلى شبهة لا واقع موضوعي لها ، وحاصلها هو أن النسخ يستلزم أحد محذورين لا يمكن الالتزام بشيء منهما ، إما عدم حكمة الناسخ أو جهله بها وكلاهما مستحيل في حقه تعالى ، والسبب فيه : أن تشريع الأحكام وجعلها منه « سبحانه وتعالى » لا محالة يكون على طبق الحكم والمصالح التي هي تقتضيه ، بداهة أن جعل الحكم جزافا وبدون مصلحة ينافي حكمة الباري تعالى ، فلا يمكن صدوره منه . وعلى هذا الضوء فرفع الحكم الثابت في الشريعة المقدسة لموضوعه لا يخلو من أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من جهة المصلحة وعلم الناسخ بها ، أو يكون من جهة البداء وكشف الخلاف كما يقع ذلك غالبا في الأحكام والقوانين العرفية ولا ثالث لهما ، والأول ينافي حكمة الحكيم المطلق ، فإن مقتضى حكمته استحالة صدور الفعل منه جزافا . ومن المعلوم : أن رفع الحكم مع بقاء مصلحته المقتضية لجعله أمر جزاف فيستحيل صدوره منه ، والثاني يستلزم الجهل منه تعالى وهو محال في حقه سبحانه . فالنتيجة : أن وقوع النسخ في الشريعة المقدسة بما أنه يستلزم المحال فهو محال لا محالة .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 77 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني