ظاهرتين ( 1 ) ، وإنما أكثر ما تدل الآيتان على إمكان وقوعه .
إمكان نسخ القرآن :
قد وقعت عند بعض الناس شبهات في إمكان أصل النسخ ثم في إمكان نسخ القرآن خاصة . وتنويرا للأذهان نشير إلى أهم الشبه ودفعها ، فنقول :
1 - قيل : إن المرفوع في النسخ إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له ، والثابت يستحيل رفعه ، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه . وعلى هذا فلا بدّ أن يأول النسخ بمعنى : رفع مثل الحكم لا رفع عينه ، أو بمعنى : انتهاء أمد الحكم .
والجواب : إنا نختار الشق الأوّل وهو : أن المرفوع ما هو ثابت ، ولكن ليس معنى رفع الثابت رفعه بما هو عليه من حالة الثبوت وحين فرض ثبوته ( 2 ) حتى يكون ذلك مستحيلا ( 3 ) ، بل هو من باب إعدام الموجود ( 4 ) وليس إعدام الموجود بمستحيل .
والأحكام لما كانت مجعولة على نحو القضايا الحقيقية فإن قوام الحكم يكون بفرض الموضوع موجودا ، ولا يتوقف على ثبوته خارجا تحقيقا ، فإذا أنشئ الحكم كذلك فهو ثابت في عالم التشريع والاعتبارات بثبوت الموضوع فرضا ، ولا يرتفع إلّا برفعه تشريعا . وهذا هو معنى رفع الحكم الثابت ، وهو النسخ .
2 - وقيل : إن ما أثبته الله من الأحكام لا بدّ أن يكون لمصلحة أو مفسدة في متعلق الحكم ، وما له مصلحة في ذاته لا ينقلب فيكون ذا مفسدة ، وكذلك العكس ، وإلّا لزم انقلاب الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، وهو محال .
وحينئذ : يستحيل النسخ ؛ لأنه يلزم منه هذا الانقلاب المستحيل ، أو عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة . والأخيران مستحيلان بالنسبة إلى الشارع المقدس .
والجواب واضح ، بعد معرفة ما ذكرناه في الجزء الثاني في المباحث العقلية من معاني الحسن والقبيح ، فإن المستحيل انقلاب الحسن والقبح الذاتيين ، ولا معنى
شرح
( 1 ) ومما يؤيد إمكان وقوع النسخ في التلاوة : دلالة أداة الشرط في الآية في كونها تستعمل لما سوف يقع في المستقبل ، ويتفاءل بوقوعه .
( 2 ) أي : إن النسخ لا يتعلق بجعل المنسوخ من بداية جعله بل النسخ يكون من وقت النسخ . وما قبل النسخ إلى وقت جعله الحكم نافذ وذو مصلحة .
( 3 ) للزوم اللغوية في إنشائه .
( 4 ) أي : إعدام الموجود بعد وجوده .