الأوّل أن أمده ينتهي .
ومن هنا يظهر الفرق جليا بين النسخ والتخصيص ، فإنه في ( التخصيص ) يكون الحكم من أوّل الأمر أنشئ مقيدا ومخصصا ، ولكن اللفظ كان عاما بحسب الظاهر ، فيأتي الدليل المخصص فيكون كاشفا عن المراد ، لا إنه مزيل ورافع لما هو ثابت في الواقع ، وأما في ( النسخ ) فإنه لما أنشئ الحكم مطلقا فمقتضاه أن يدوم لو لم يرفعه النسخ ، فالنسخ يكون محوا لما هو ثابت
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ . . . ،
لا إن الدوام والاستمرار مدلول لظاهر الدليل بحسب إطلاقه وعمومه ، والمنشأ في الواقع الحكم المؤقت ، ثم يأتي الدليل الناسخ فيكشف عن المراد من الدليل الأوّل ويفسره ، بل الدوام من اقتضاء نفس ثبوت الحكم من دون أن يكون لفظ دليل الحكم دالا عليه بعموم أو إطلاق .
يعني : أن الحكم المنشأ لو خلّي وطبعه - مع قطع النظر عن دلالة دليله - لدام واستمر ما لم يأت ما يزيله ويرفعه كسائر الموجودات التي تقتضي بطبيعتها الاستمرار والدوام .
4 - وقيل : أن كلام الله تعالى قديم ، والقديم لا يتصور رفعه ( 1 ) .
والجواب : بعد تسليم هذا الفرض - وهو قدم كلام الله ( 2 ) - فإن هذا يختص بنسخ التلاوة ، فلا يكون دليلا على بطلان أصل النسخ . مع أنه قد تقدم من نص القرآن الكريم ما يدلّ على إمكان نسخ التلاوة وإن لم يكن صريحا في وقوعه كقوله تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ . . . ،
فهو إما أن يدل على إن كلامه تعالى غير قديم ، أو أن القديم يمكن رفعه ، مضافا إلى إنه ليس معنى نسخ التلاوة رفع أصل الكلام ، بل رفع تبليغه وقطع علاقة المكلفين بتلاوته .
شرح
( 1 ) إلّا أن الشيعة يقولون : بأن كلام الله حادث ، وليس بقديم ، وإلّا لكان إله ثانيا غير الله « سبحانه وتعالى » وهذا مستحيل .
( 2 ) إن قدم الكلام في الله يرتبط بمسألة الكلام النفسي وأن من صفات الله تعالى الذاتية أنه متكلم .
والحق الثابت عندنا : بطلان هذا الرأي في أصله وما يتفرع عليه من فروع . وهذا أمر موكول إثباته إلى الفلسفة وعلم الكلام . ( المصنّف ) .