وعلى كل حال ، فإن الظاهر أن الفارق عنده بين السببية المحضة وبين المصلحة السلوكية بمقتضى عبارته قبل التصحيح المذكور : أن المصلحة على الأوّل : تكون قائمة بذات الفعل ، وعلى الثاني : قائمة بعنوان آخر هو السلوك ، فلا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل .
ولكننا لم نتعقل هذا الفارق المذكور ، لأنه إنما يتم إذا استطعنا أن نتعقل لعنوان السلوك عنوانا مستقلا في وجوده عن ذات الفعل لا ينطبق عليه ولا يتحد معه ، حتى لا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل ، وتصوير هذا في غاية الإشكال ( 1 ) . ولعل هذا هو السر في مناقشة تلاميذه له ، فحمل بعضهم على إضافة كلمة ( الأمر ) ، ليجعل المصلحة تعود إلى نفس الأمر لا إلى متعلقه فلا يقع التزاحم بين المصلحتين .
وجه الإشكال : ( أوّلا ) : إننا لا نفهم من عنوان السلوك والاستناد إلى الأمارة إلّا عنوانا للفعل الذي تؤدي إليه الأمارة بأي معنى فسرنا السلوك والاستناد ، إذ ليس للسلوك ومتابعة الأمارة وجود آخر مستقل غير نفس وجود الفعل المستند إلى الأمارة .
نعم ، إذا أردنا من الاستناد إلى الأمارة معنى آخر ، وهو الفعل القصدي من النفس ، فإن له وجودا آخر غير وجود الفعل ؛ لأنه فعل قلبي جوانحي لا وجود له إلّا وجودا قصديا . ولكنه من البعيد جدا أن يكون ذلك غرض الشيخ من السلوك ؛ لأن هذا الفعل القلبي إنما يصح أن يفرض وجوبه في خصوص الأمور العبادية ، ولا معنى للالتزام بوجوب القصد في جميع أفعال الإنسان المستند فعلها إلى الأمارة ( 2 ) .
( ثانيا ) : على تقدير تسليم اختلافهما ( 3 ) وجودا ، فإن قيام المصلحة بشيء إنما يدعو إلى تعلق الأمر به ( 4 ) لا بشيء آخر غيره وجودا ( 5 ) وإن كانا متلازمين في الوجود .
شرح
( 1 ) وبعبارة واضحة نقول : إن عنوان السلوك مع عنوان ذات الفعل هما متحدان وجودا ، فإذا قامت الأمارة على وجوب شرب هذا السائل : فإذا قلنا إن المصلحة في الفعل فمعناه : أن المصلحة في شرب السائل ، وإذا قلنا : إن المصلحة في السلوك فمعناه أن المصلحة في شرب السائل ، فلا نتعقل مخالفا لوجود الفعل بل وجودهما واحد .
( 2 ) كالأمور التوصلية فإنها لا يشترط فيها القصد القلبي .
( 3 ) الضمير يعود على السلوك والفعل .
( 4 ) أي : بالسلوك .
( 5 ) أي : لا بذات الفعل .