نعم إذا منع مانع عقلي من فرض الأمارة طريقا من جهة الشبهة المتقدمة أو نحوها ، فلا بدّ أن تخرج على خلاف طبعها ونلتجئ إلى فرض السببية .
ولما كنا دفعنا الشبهة في جعلها على نحو الطريقية فلا تصل النوبة إلى التماس دليل على سببيتها أو طريقيتها ، إذ لا موضع للترديد والاحتمال لنحتاج إلى الدليل .
* * *
هذا وقد يلتمس الدليل على السببية من نفس دليل حجية الأمارة بأن يقال : أن دليل الحجية - لا شك - يدل على وجوب اتّباع الأمارة . ولما كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في متعلقاتها ، فلا بدّ أن يكون في اتّباع الأمارة مصلحة تقتضي وجوب اتّباعها وإن كانت على خطأ في الواقع . وهذه هي السببية بعينها .
أقول : والجواب عن ذلك واضح فإنّا نسلم أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد ، ولكن لا يلزم في المقام أن يكون في نفس اتّباع الأمارة مصلحة ، بل يكفي أن ينبعث الوجوب من نفس مصلحة الواقع ، فيكون جعل وجوب اتّباع الأمارة لغرض تحصيل مصلحة الواقع . بل يجب أن يكون الحال فيها كذلك ؛ لأنه - لا شك - أن الغرض من جعل الأمارة هي الوصول بها إلى الواقع ، فالمحافظة على الواقع والوصول إليه هو الباعث على جعل الأمارة لغرض تنجيزه وتحصيله ، فيكون الأمر باتّباع الأمارة طريقا في تحصيل الواقع .
ولذا نقول : إذا لم تصب الواقع لا تكليف هناك ولا تدارك لما فات من الواقع ، وما هي إلّا المعذرية في مخالفته ورفع العقاب على المخالفة لا أكثر ، وهذه المعذرية تقتضيها نفس الرخصة في اتّباع الأمارة التي قد تخطئ .
وعلى هذا ، فليس لهذا الأمر الطريقي المتعلق باتّباع الأمارة بما هو أمر طريقي مخالفة ولا موافقة ؛ لأنه في الحقيقة ليس فيه جعل للداعي إلى الفعل الذي هو مؤدى الأمارة مستقلا عن الأمر الواقعي ، وإنما هو جعل للأمارة منجّزة للأمر الواقعي ، فهو موجب لدعوة الأمر الواقعي ، فلا بعث حقيقي في مقابل البعث الواقعي فلا تكون له مصلحة إلّا مصلحة الواقع ، ولا طاعة غير طاعة الواقع ، إذ لا بعث فيه إلّا بعث الواقع .
14 - المصلحة السلوكية :
ذهب الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » إلى فرض المصلحة السلوكية في الأمارات