تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
ومن هذا المثال يظهر : كيف أن الأحكام التكليفية اعتبارات شرعية ، لأن الآمر حينما يريد من شخص أن يفعل فعلا ما فبدلا من أن يدفعه بيده مثلا ليحركه نحو العمل ينشئ الأمر بداعي جعل الداعي في دخيلة نفس المأمور ، فيكون هذا الإنشاء للآمر دفعا وتحريكا اعتباريا تنزيلا له منزلة الدفع الخارجي باليد مثلا ، وكذلك النهي زجر اعتباري تنزيلا له منزلة الردع والزجر الخارجي باليد مثلا . وكذلك يقال في حجية الأمارة المجعولة ، فإن القطع لما كان موصلا إلى الواقع حقيقة وطريقا بنفسه إليه ، فالشارع يعتبر الأمارة الظنية طريقا إلى الواقع تنزيلا لها منزلة القطع بالواقع بإلغاء احتمال الخلاف ، فتكون الأمارة قطعا اعتباريا وطريقا تنزيليا . ومتى صح وأمكن أن تكون الحجية هي المعتبرة أوّلا وبالذات فما الذي يدعو إلى فرضها مجعولة ثانيا وبالعرض ، حتى تكون أمرا انتزاعيا ؟ إلا أن يريدوا من الانتزاعي معنى آخر ، وهو ما يستفاد من دليل الحكم على نحو الدلالة الالتزامية ، كأن تستفاد الحجية للأمارة من الأمر باتّباعها مثل ما لو قال الإمام « عليه السلام » : « صدّق العادل » الذي يدل بالدلالة الالتزامية على حجية خبر العادل واعتباره عند الشارع . وهذا المعنى للانتزاعي صحيح ولا مانع من أن يقال للحجية أنها أمر انتزاعي بهذا المعنى . ولكنه بعيد عن مرامهم ؛ لأن هذا المعنى من الانتزاعية لا يقابل الاعتبارية بالمعنى الذي شرحناه . وعلى كل حال : فدعوى انتزاعية الحجية بأي معنى للانتزاعي لا موجب لها ( 1 ) ، لا سيما إنه لم يتفق ورود أمر من الشارع باتّباع أمارة من الأمارات في جميع ما بأيدينا من الآيات والروايات ؛ حتى يفرض أن الحجية منتزعة من ذلك الأمر . هذا كل ما أردنا بيانه من المقدمات قبل الدخول في المقصود . والآن نشرع في البحث عن المقصود ، وهو تشخيص الأدلة التي هي حجة على الأحكام الشرعية من قبل الشارع المقدس . ونضعها في أبواب . * * *
شرح
( 1 ) أي : لا موجب لتسميتها انتزاعية ، لأنه إذا قلنا : أن الانتزاعية هي المجعول ثانيا وبالعرض فقد سبق أن أثبتنا أن الحجية مجعولة أولا وبالذات ، وإذا قلنا : الانتزاعية ما تستفاد من الدلالة الالتزامية فهذا لا يقابل الأمر الاعتباري بل هي اعتباري .