فمهما فرضنا من معنى للسلوك - وإن كان بمعنى : الفعل - القلبي فإنه إذا كانت المصلحة المقتضية للأمر قائمة به فكيف يصح توجيه الأمر إلى ذات الفعل ؟
والمفروض : أن له وجودا آخر لم تقم به المصلحة .
وأما إضافة كلمة ( الأمر ) على عبارة الشيخ فهي بعيدة جدا عن مراده وعباراته الأخرى .
15 - الحجية أمر اعتباري أو انتزاعي :
من الأمور التي وقعت موضع البحث أيضا عند المتأخرين مسألة إن الحجية هل هي من الأمور الاعتبارية المجعولة بنفسها وذاتها ( 1 ) ، أو إنها من الانتزاعيات التي تنتزع من المجعولات ( 2 ) .
وهذا النزاع في الحجية فرع - في الحقيقة - عن النزاع في أصل الأحكام الوضعية ( 3 ) . وهذا النزاع في خصوص الحجية - على الأقل - لم أجد له ثمرة عملية في الأصول .
على إن هذا النزاع في أصله غير محقق ولا مفهوم ؛ لأن لكلمتي الاعتبارية والانتزاعية مصطلحات كثيرة ، في بعضها تكون الكلمتان متقابلتين ( 4 ) ، وفي البعض الآخر متداخلتين ( 5 ) . وتفصيل ذلك يخرجنا عن وضع الرسالة .
ونكتفي أن نقول على سبيل الاختصار :
إن الذي يظهر من أكثر كلمات المتنازعين في المسألة : أن المراد من الأمر الانتزاعي
شرح
( 1 ) كقوله : الأمارة حجة .
( 2 ) كما إذا أمرنا بتصديق خبر الثقة ننتزع من هذا الأمر الحجية .
( 3 ) كالملكية والزوجية فإن الزوجية والملكية هل هي أمور انتزاعية أو اعتبارية ؟
فإذا ثبت أن الحكم الوضعي اعتباري مثلا حينئذ تكون مصاديق الحكم الوضعي كالملكية والزوجية والحجية اعتبارية . إذا : اتضح كون النزاع في الحجية فرعا عن النزاع في أصل الأحكام الوضعية .
( 4 ) كما إذا أريد من الاعتبارية هو المجعول أوّلا وبالذات ، والانتزاعية هو المجعول ثانيا وبالعرض ، فيكون بينهما تقابل على نحو التباين .
( 5 ) كما إذا أريد من الأمر الانتزاعي ما يستفاد من دليل الحكم على نحو الدلالة الالتزامية فإنها بهذا المعنى تتداخل معه ؛ لأن الأمر الاعتباري يشمل ما هو مستفاد من الدليل على نحو الدلالة الالتزامية ، كما أنه يشمل المجعول بالدلالة المطابقية ، فإن الحجية تارة : تستفاد بالمطابقة ، وتارة : تستفاد بالالتزام ، وعلى التقديرين هي أمر اعتباري .