هذا البحث لبيان هذا الخلاف .
فإن ذلك من الأمور التي وقعت أخيرا موضع البحث والرد والبدل عند الأصوليين ، فاختلفوا في إن الأمارة هل هي حجة مجعولة على نحو ( الطريقية ) ، أو إنها حجة مجعولة على نحو ( السببية ) ؟ أي : أنها طريق أو سبب .
والمقصود من كونها ( طريقا ) : أنها مجعولة لتكون موصلة فقط إلى الواقع للكشف عنه ، فإن أصابته فإنه ( 1 ) يكون منجّزا بها ( 2 ) وهي منجّزة له ( 3 ) ، وإن أخطأته فإنها حينئذ تكون صرف معذر للمكلف في مخالفة الواقع .
والمقصود من كونها ( سببا ) : أنها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤداها تقاوم تفويت مصلحة الأحكام الواقعية على تقدير الخطأ ، فينشئ الشارع حكما ظاهريا على طبق ما أدّت إليه الأمارة ( 4 ) .
والحق أنها مأخوذة على نحو ( الطريقية ) .
والسر في ذلك واضح بعد ما تقدم ، فإن القول بالسببية - كما قلنا - مترتب على القول بالطريقية ، يعني : أن منشأ قول من قال بالسببية هو العجز عن تصحيح جعل الطرق على نحو الطريقية ، فليلتجئ إلى فرض السببية .
أما إذا أمكن تصحيح الطريقية فلا يبقى دليل على السببية ، ويتعين كون الأمارة طريقا محضا ؛ لأن الطريقية هي الأصل فيها .
ومعنى أن الطريقية هي الأصل : أن طبع الأمارة لو خلّيت ونفسها يقتضي أن تكون طريقا محضا إلى مؤداها ؛ لأن لسانها التعبير عن الواقع والحكاية والكشف عنه . على أن العقلاء إنما يعتبرونها ويستقر بناؤهم عليها فلأجل كشفها عن الواقع ، ولا معنى لأن يفرض في بناء العقلاء أنه على نحو السببية ، وبناء العقلاء هو الأساس الأوّل في حجيّة الأمارة كما سيأتي .
شرح
( 1 ) أي : فإن الواقع .
( 2 ) أي : بالأمارة .
( 3 ) أي : الواقع .
( 4 ) فإذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مثلا ، فالشارع يجعل الحكم على طبقها ، أي :
يجعل وجوب صلاة الجمعة . وهذا ما يسمى بالسببية المحصلة الذي يلزم منها التصويب ، بمعنى : أن الأمارة دائما تكون مصيبة .