تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣

12 - تصحيح جعل الأمارة :

بعد ما ثبت أن جعل الأمارة يشمل فرض انفتاح باب العلم - مع ما ثبت من اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل - تنشأ « شبهة عويصة » في صحة جعل الأمارة قد أشرنا إليها فيما سبق ص 28 ، وهي : أنه في فرض التمكن من تحصيل الواقع والوصول إليه كيف جاز أن يأذن الشارع باتّباع الأمارة الظنية ، وهي - حسب الفرض - تحتمل الخطأ المفوت للواقع . والإذن في تفويته قبيح عقلا ، لأن الأمارة لو كانت دالة على جواز الفعل - مثلا - وكان الواقع هو الوجوب أو الحرمة ، فإن الإذن باتّباع الأمارة في هذا الفرض يكون إذنا بترك الواجب أو فعل الحرام ، مع إن الفعل لا يزال باقيا على وجوبه الواقعي أو حرمته الواقعية ، مع تمكن المكلف من الوصول إلى معرفة الواقع حسب الفرض . ولا شك في : قبح ذلك من الحكيم . وهذه الشبهة هي التي ألجأت بعض الأصوليين إلى القول بأن الأمارة مجعولة على نحو « السببية » ( 1 ) ، إذ عجزوا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو « الطريقية » التي هي الأصل في الأمارة على ما سيأتي من شرح ذلك قريبا . والحق معهم إذا نحن عجزنا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو الطريقية ، لأن المفروض : أن الأمارة قد ثبتت حجيتها قطعا ، فلا بدّ أن يفرض - حينئذ - في قيام الأمارة أو في اتّباعها مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير خطئها ؛ حتى لا يكون إذن الشارع بتفويت الواقع قبيحا ، ما دام أن تفويته له يكون لمصلحة أقوى وأجدى أو مساوية لمصلحة الواقع ، فينشأ على طبق مؤدى الأمارة حكم ظاهري بعنوان أنه الواقع ، إما أن يكون مماثلا للواقع عند الإصابة أو مخالفا له عند الخطأ . ونحن - بحمد الله تعالى - نرى أن الشبهة ( 2 ) يمكن دفعها على تقدير الطريقية ، فلا حاجة إلى فرض السببية . والوجه في دفع الشبهة ( 3 ) : إنه بعد أن فرضنا أن القطع قام على أن الأمارة الكذائية كخبر الواحد حجة يجوز اتّباعها مع التمكّن من تحصيل العلم ؛ فلا بدّ أن
شرح
( 1 ) أي : أن الأمارة سبب لنشوء مصلحة إما في متعلقها ، وإما في سلوكها ، وتكون هذه المصلحة معوضة عن المكلف عن المصلحة - الواقعية الفائتة عنه - . ( 2 ) أي : شبهة ابن قبة . ( 3 ) على نحو الطريقية .