تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
يكون الإذن من الشارع العالم بالحقائق الواقعية لأمر علم به وغاب عنا علمه . ولا يخرج هذا الأمر عن أحد شيئين لا ثالث لهما ، وكل منهما جائز عقلا لا مانع منه : 1 - أن يكون قد علم بأن إصابة الأمارة للواقع مساوية لإصابة العلوم التي تتفق للمكلّفين أو أكثر منها ، بمعنى : أن العلوم التي يتمكن المكلفون من تحصيلها يعلم الشارع بأن خطأها سيكون مساويا لخطأ الأمارة المجعولة أو أكثر خطأ منها . 2 - أن يكون قد علم بأن في عدم جعل أمارات خاصة لتحصيل الأحكام والاقتصار على العلم تضييقا على المكلفين ومشقة عليهم ، لا سيما بعد أن كانت تلك الأمارات قد اعتادوا سلوكها والأخذ بها في شؤونهم الخاصة وأمورهم الدنيوية ، وبناء العقلاء كلهم كان عليها . وهذا الاحتمال الثاني قريب إلى التصديق جدا ، فإنّه لا نشك في أن تكليف كلّ واحد من الناس بالرجوع إلى المعصوم أو الأخبار المتواترة في تحصيل جميع الأحكام أمر فيه ما لا يوصف من الضيق والمشقة ، لا سيما أن ذلك على خلاف ما جرت عليه طريقتهم في معرفة ما يتعلق بشئونهم الدنيوية . وعليه ، فمن القريب جدّا أن الشارع إنما رخّص في اتّباع الأمارات الخاصة : فلغرض تسهيل الأخذ بأحكامه والوصول إليها . ومصلحة التسهيل من المصالح النوعية المتقدمة في نظر الشارع على المصالح الشخصية التي قد تفوت أحيانا على بعض المكلّفين عند العمل بالأمارة لو أخطأت . وهذا أمر معلوم من طريقة الشريعة الإسلامية التي بنيت في تشريعها على التيسير والتسهيل . وعلى التقديرين والاحتمالين : فإن الشارع في إذنه باتّباع الأمارة طريقا إلى الوصول إلى الواقع من أحكامه لا بدّ أن يفرض فيه أنه قد تسامح في التكاليف الواقعية عند خطأ الأمارة ، أي : أن الأمارة تكون معذرة للمكلّف ، فلا يستحق العقاب في مخالفة الحكم ، كما لا يستحق ذلك عند المخالفة في خطأ القطع ، لا إنه بقيام الأمارة يحدث حكم آخر ثانوي ، بل شأنها في هذه الجهة شأن القطع بلا فرق . ولذا إن الشارع في الموارد التي يريد فيها المحافظة على تحصيل الواقع على كل حال أمر باتّباع الاحتياط ، ولم يكتف بالظنون فيها ، وذلك كموارد الدماء والفروج .

13 - الأمارة طريق أو سبب :

قد أشرنا في البحث السابق إلى مذهبي السببية والطريقية في الأمارة ، وقد عقدنا