فالعلم وما يقوم مقامه يكون - على ما هو التحقيق - شرطا لتنجّز التكليف لا علة تامة ( 1 ) ، خلافا للشيخ الآخوند صاحب الكفاية « قدّس سرّه » ( 2 ) . فإذا لم يحصل العلم ولا ما يقوم مقامه - بعد الفحص واليأس - لا يتنجّز عليه التكليف الواقعي ، يعني : لا يعاقب المكلف لو وقع في مخالفته عن جهل ، وإلّا لكان العقاب عليه عقابا بلا بيان ، وهو قبيح عقلا ، ( وسيأتي إن شاء الله تعالى في أصل البراءة شرح ذلك ) .
وفي قبال هذا القول : زعم من يرى أن الأحكام إنما تثبت لخصوص العالم بها أو من قامت عنده الحجة ، فمن لم يعلم بالحكم ولم تقم لديه الحجة عليه لا حكم في حقه حقيقة وفي الواقع .
ومن هؤلاء من يذهب إلى تصويب المجتهد ( 3 ) ، إذ يقول : إن كل مجتهد مصيب .
شرح
- الجواب على السؤال الأول : الأحكام عند تشريعها تعم العالم بها والجاهل بها وهذا ما اتفقت عليه الإمامية وذلك للوجوه التالية :
أ - الأخبار المستفيضة الدالة على اشتراك الأحكام ، وقد ورد ما مضمونه : « يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له : هلّا عملت . فيقول : لم أعلم ، فيقال : هلّا تعلّمت » . إن هذا الحديث يدل بصراحة على ثبوت الأحكام للعالم والجاهل أيضا ، ولو لم يكن ثابت للجاهل لما كان للتوبيخ من معنى .
ب - إطلاقات أدلة تلك الأحكام فإنها تدل على شمولية الحكم للعالم والجاهل على السواء .
ومن خلال هذه الأدلة أصبحت قاعدة اشتراك الحكم الشرعي بين العالم والجاهل موردا للقبول على وجه العموم ؛ إلّا إذا دل دليل خاص على خلاف ذلك كما هو في مورد الإخفات بدل الجهر أو بالعكس أو الإتمام بدل القصر فإنها ثابتة للعالم دون الجاهل .
إذا : البحث في مسألة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل يتعلق أمره في السؤال الأول دون السؤال الثاني ؛ إذ من الواضح : أن العقاب مختص بالعالم فقط ، ولا يتنجز الحكم في حق الجاهل وإلّا لزم استحقاق العقاب بلا بيان وهو قبيح عقلا .
( 1 ) فجعل الحكم + العلم به - علة تامة لتنجّز التكليف .
( 2 ) فعنده العلم وما يقوم مقامه علة تامة لتنجّز التكليف .
( 3 ) وهو عبارة عن كل ما يصل إليه المجتهد عن طريق الأمارة هو حكم الله في حقه ، وهذا هو التصويب . فالمصنف في مقام طرح ثمرة بحث استحالة اختصاص الحكم بالعالم . وحاصله : أن الأحكام إذا كانت عامة لجميع الناس فلازم ذلك : أن الأمارة والأصل اللذين يتمسك بهما المكلف حالة جهلة بالحكم الواقعي قد تصيبان وقد تخطئان . وبعبارة أخرى : يترتب على القول بشمولية الحكم للعالم والجاهل أن الأمارات والأصول - التي يرجع إليها المكلف الجاهل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية - قد تصيب الواقع ، وقد تخطئ . فللشارع إذا : أحكام واقعية محفوظة في حق الجميع ، والأدلة والأصول في معرض الإصابة والخطأ ، غير أن خطأها مغتفر لأن الشارع جعلها حجة ، وهذا