4 - ( المقدمة الرابعة ) : إنه بعد أن أبطلنا الرجوع إلى الحالات الثلاث ينحصر الأمر في الرجوع إلى الحالة الرابعة في المسائل التي يقوم فيها الظن ، وفيها يدور الأمر بين الرجوع إلى الطرف الراجح في الظن وبين الرجوع إلى الطرف المرجوح ، أي :
الموهوم . ولا شك : في أن الأخذ بطرف المرجوح ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو قبيح عقلا .
وعليه ، فيتعين الأخذ بالظن ما لم يقطع بعدم جواز الأخذ به كالقياس . ( وهو المطلوب ) . وفي فرض الظن المقطوع بعدم حجيته يرجع إلى الأصول العملية ، كما يرجع إليها في المسائل المشكوكة التي لا يقوم فيها ظن أصلا .
شرح
القطع بإتيان الواقع الحقيقي أو الجعلي - أي : ما أدى إليه الطريق المعتبر شرعا كخبر الثقة - ففي حال الانسداد يقوم الظن بالمكلف به الواقعي والجعلي مقام القطع بهما » « 1 » .
وأما محصل ما ذكره الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » في مقام الاستدلال على ما اختاره فهو : « لا فرق في الامتثال الظنّيّ بين الحكم الواقعيّ والحكم الظاهريّ . وفي بيان مراده قال « قدّس سرّه » : إنك قد عرفت أنّ قضيّة المقدّمات المذكورة وجوب الامتثال الظنّيّ للأحكام المجهولة ، فاعلم إنّه لا فرق في الامتثال الظنّيّ بين تحصيل الظنّ بالحكم الفرعيّ الواقعيّ ، كأن يحصل من شهرة القدماء الظنّ بنجاسة العصير العنبيّ ، وبين تحصيل الظنّ بالحكم الفرعيّ الظاهريّ ، كأن يحصل من أمارة الظنّ بحجّيّة أمر لا يفيد الظنّ ، كالقرعة مثلا ، فإذا ظنّ حجّيّة القرعة حصل الامتثال الظنّيّ في مورد القرعة ، وإن لم يحصل ظنّ بالحكم الواقعيّ ، إلّا أنّه حصل ظنّ ببراءة ذمّة المكلّف في الواقعة الخاصّة ، وليس الواقع بما هو واقع مقصودا للمكلف إلّا من حيث كون تحقّقه مبرئا للذّمة . فكما إنه لا فرق في مقام التمكن من العلم بين تحصيل العلم بنفس الواقع وبين تحصيل العلم بموافقة طريق علم كون سلوكه مبرئا للذمّة في نظر الشارع ، فكذا لا فرق عند تعذّر العلم بين الظنّ بتحقّق الواقع وبين الظنّ ببراءة الذمة في نظر الشارع » .
- وأما بالنسبة إلى من قال أن نتيجة هذه المقدمات على تقدير تماميتها هي حجيّة الظن بالواقع ، وعدم شموله للظن بالطريق كما ذهب إلى هذا القول الوحيد البهبهاني « قدّس سرّه » . وحاصله : أن مصب المقدمات لما كان خصوص الفروع ، فمقتضى ذلك اختصاص نتيجتها - وهي اعتبار الظن - بنفس الحكم الشرعي الفرعي كالوجوب والاستحباب مثلا ، دون الظن بطريقية مثل خبر العدل إلى الواقع ، إذ مفاد المقدمات أجنبي عنه ، ومعه لا موجب للتنزل من تحصيل العلم باعتبار الطريق إلى الظن به بمجرد انسداد باب العلم بالأحكام الفرعية مع انفتاحه في المسائل الأصولية . هذا على حد تعبير المروج في شرحه للكفاية .
هامش
( 1 ) راجع : منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، ج 4 ، ص 614 .