ولا ضير حينئذ بالرجوع إلى الأصول العملية لانحلال العلم الإجمالي بقيام الظن في معظم المسائل الفقهية إلى : علم تفصيلي بالأحكام التي قامت عليها الحجة ، وشك بدوي في الموارد الأخرى ، فتجري فيها الأصول .
شرح
ثم قال الشيخ الأنصاري في مقام عده للأقوال : « الثاني مقابل هذا ، وهو من يرى أنّ المقدمات المذكورة لا تثبت إلّا اعتبار الظنّ في نفس الأحكام الفرعيّة . أمّا الظنّ بكون الشيء طريقا مبرئا للذمّة فهو ظنّ في المسألة الأصوليّة لم يثبت باعتباره فيها من دليل الانسداد لجريانها في المسائل الفرعيّة دون الأصوليّة . إلّا أن صاحب الكفاية - على حد تعبير المروج - قال : « في جواب من توهم القول باختصاص حجّيّة الظن بالواقع ، وتوضيحه : أن الغرض من جريان المقدمات في الفروع هو حجّيّة الظن في مقام تفريغ الذمة وتحصيل الأمن من العقوبة المترتبة على مخالفة التكليف ، ومن المعلوم : إنه لا فرق حينئذ بين الظن بالواقع وبين الظن بالطريق . . . ثم يعلل الآخوند « قدّس سرّه » لقوله « موجب لكفاية الظن بالطريق » يعني : أن الوجه في كون جريان المقدمات في الفروع موجبا لكفاية الظن بالطريق هو وحدة المناط في الموردين أعني الفروع والأصول ، وهو تحصيل الأمن من العقوبة ، لتساوي الظنين فيهما فيما هو هم العقل من تحصيل المؤمن والخروج عن عهدة التكليف » .
- وأما بالنسبة إلى من قال أن نتيجة هذه المقدمات على تقدير تماميتها هي حجّيّة الظن بالطريق ؛ كما ذهب إلى هذا القول بعض الفحول على حد تعبير صاحب الكفاية وهو - كما في حاشية المحقق الآشتياني - المحقق الشيخ أسد الله الشوشتري ، وتبعه في ذلك تلميذاه المحققان صاحب الحاشية ، وأخوه صاحب الفصول « قدّس سرّه » ، واستدلّ صاحب الحاشية « قدّس سرّه » لمطلبه بدليلين : « الأوّل : وتبعه في ذلك صاحب الفصول أيضا : وهو أنّه كما نقطع بأنّنا مكلّفون بتكاليف فعلية إلزامية ، وجوبية أو تحريمية في زماننا هذا ، وبعبارة أخرى : نعلم إجمالا بوجود واجبات ومحرّمات في الشريعة ، وليس لنا علم ولا علمي يعيّنها كذلك نعلم علما إجماليا بأنّ الشارع الأقدس جعل لنا طرقا وافية بها إليها .
ونتيجة هذا العلم الإجمالي الثاني : هو أنّنا فعلا مكلّفون بالعمل بتلك الطرق والأخذ بها والجري على طبقها ، وحيث لا علم بها ولا علمي على تعيينها ، ولا طريق إلى معرفتها - لا طريقا ذاتيا كالقطع ، ولا طريقا مجعولا من طرف الشارع ، كالظنون المعتبرة عنده - فلا مناص إلّا عن تعيينها بالظنّ غير المعتبر عند الشارع ، والذي لا دليل على عدم حجّيته .
وبعبارة أخرى : لا بدّ من تعيين تلك الطرق المجعولة المعلومة إجمالا بالظنّ الذي لا دليل على حجيّته ، ولا على عدم حجيّته . فبمثل الظنّ القياسي لا يمكن تعيينها ومعرفتها ؛ لأنّ تعيينها بالظنّ القياسي يكون عملا به ، والشارع نهى عن العمل به ، وأمّا تعيينها بالظنّ المعتبر فخروج عن فرض الانسداد .
وبعد أن كان مؤدّى تلك الطرق المجعولة المعلومة إجمالا هي الأحكام الفعلية المتوجّهة إلى المكلّفين التي يجب الأخذ بها والعمل على طبقها ، والمفروض : عدم علم ولا علمي لتعيينها فلا بدّ من الرجوع إلى الظنّ في تعيينها ، لأنّه لا شيء أقرب من الظن إلى إصابة الواقع الذي هو الغرض الأصلي .
وهذا حاصل ما أفاده المحقق صاحب الحاشية ( هداية المسترشدين : 391 ) ، وأخوه صاحب الفصول