إما بأن نعتبر أنفسنا كالبهائم والأطفال لا تكليف علينا .
وإما بأن نرجع إلى أصالة البراءة وأصالة عدم التكليف في كل موضع لا يعلم وجوبه وحرمته . وكلا الفرضين ضروري البطلان .
3 - ( المقدمة الثالثة ) : إنه بعد فرض وجوب التعرض للأحكام المعلومة إجمالا ، فإن الأمر لتحصيل فراغ الذمة منها يدور بين حالات أربع لا خامسة لها ( 1 ) :
شرح
ثم قال الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » : « إنه لو سلّما إنّ الرجوع إلى البراءة لا يوجب شيئا مما ذكر من المحذور البديهي ، وهو الخروج عن الدين ، فنقول : إنّه لا دليل على الرجوع إلى البراءة من جهة العلم الإجماليّ بوجود الواجبات والمحرّمات ، فإنّ أدلّتها مختصّة بغير هذه الصورة ، ونحن نعلم إجمالا أنّ في المظنونات واجبات كثيرة ومحرمات كثيرة . . . وقد ثبت في مسألة البراءة أن مجراها الشكّ في أصل التكليف ، لا الشكّ في تعيينه مع القطع بثبوت أصله ، كما في ما نحن فيه » .
( 1 ) تعرض الشيخ الآخوند الخراساني « قدّس سرّه » وفاقا للشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » لتفصيل هذه المقدمة ، وأنها تشتمل على مطالب ثلاثة لا يصح الأخذ بها كما سوف نبينه لاحقا .
المطلب الأول : عدم وجوب الاحتياط التام . المطلب الثاني : إبطال الرجوع إلى الأصل العملي في كل مسألة . المطلب الثالث : إبطال الرجوع إلى فتوى المجتهد الذي يرى انفتاح باب العلم . وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان كل واحد منها .
وقد تعرض إلى هذه المطالب الثلاثة الشيخ الأنصاري في رسائله بما حاصله : « المقدمة الثالثة في بيان بطلان وجوب تحصيل الامتثال بالطرق المقرّرة للجاهل من الاحتياط ، أو الرجوع في كل مسألة إلى ما يقتضيه الأصل في تلك المسألة أو الرجوع إلى فتوى العالم بالمسألة وتقليده فيها .
فنقول : إنّ كلا من هذه الأمور الثلاثة وإن كان طريقا شرعيّا في الجملة لامتثال الحكم المجهول ، إلّا أنّ منها ما لا يجب في المقام ، ومنها ما لا يجري » .
أما بالنسبة للمطلب الأول : وهو عدم وجوب الاحتياط التام إن كان عسره مخلا بالنظام ، فلا كلام في عدم وجوبه بل عدم جوازه عقلا . وهذا نص عليه الشيخ الآخوند في كفايته حيث قال : « . . .
بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التام بلا كلام فيما يوجب عسره اختلال النظام . . . » . وأما إذا كان عسره غير مخلا بالنظام ، فعدم وجوب الاحتياط محل نظر بل منع يعني : « إن الاحتياط إذا لم يوجب اختلال النظام ، فقاعدة نفي العسر والحرج غير حاكمة عليه حتى يرتفع بها وجوبه ، فوجوبه باق وإن كان عسرا ، وذلك لما أفاده ( الآخوند ) بقوله : « وذلك لما حققناه . . . » وتوضيحه : أن دليل نفي العسر والضرر ونحوهما يحتمل فيه معان كثيرة ، وقد وقع اثنان منها مورد البحث والنقاش بين الشيخ والمصنف « قدّس سرّه » فاختار الشيخ الأعظم أن المنفي نفس الحكم الذي ينشأ منه الضرر والحرج ، بدعوى : أن الضرر والحرج من صفات نفس الحكم بحيث يصح حمل كل منهما عليه ويقال : « هذا الحكم ضرر أو حرج » ، وعليه : فيكون نفي الضرر والحرج بسيطا ، ومعنى بساطة نفيهما نفي أنفسهما ، فإن معنى بساطة النفي نفي الشيء وسلبه في قبال تركب النفي ، فإن معناه نفي شيء عن شيء وسلبه