أما ( الأولى ) : وهي تقليد الغير في انفتاح باب العلم فلا يجوز ؛ لأن المفروض : أن المكلف يعتقد بالانسداد فكيف يصح له الرجوع إلى من يعتقد بخطئه وأنه على جهل ؟
شرح
العالم ، وليس المقام منه حتى يشمله دليل جواز التقليد ، ضرورة : أن الانسدادي يعتقد بخطإ الانفتاحي ، فالانفتاحي جاهل بنظر الانسدادي ، وهو ليس من باب رجوعه إليه من رجوع الجاهل إلى العالم حتى يشمله دليله فيبطل حينئذ رجوع الانسدادي إلى الانفتاحي . وقد نبه عليه شيخنا الأنصاري « قدّس سرّه » في رسائله بما حاصله : « وأمّا رجوع هذا الجاهل الذي انسدّ عليه باب العلم في المسائل المشتبهة إلى فتوى العالم بها وتقليده فيها ، فهو باطل لوجهين : أحدهما الإجماع القطعي .
والثاني : أنّ الجاهل الذي وظيفته الرجوع إلى العالم هو الجاهل العاجز عن الفحص .
وأمّا الجاهل الذي يبذل الجهد وشاهد مستند العالم وغلّطه في استناده إليه واعتقاده عنه ، فلا دليل على حجّيّة فتواه بالنسبة إليه . وليست فتواه من الطرق المقرّرة لهذا الجاهل . فإنّ من يخطّئ القائل بحجيّة خبر الواحد في فهم دلالة آية النبأ عليها ، كيف يجوز له متابعته ؟ وأيّ مزيّة له عليه حتى يجب رجوع هذا إليه ولا يجب العكس ؟
وهذا هو الوجه فيما أجمع عليه العلماء ، من أنّ المجتهد إذا لم يجد دليلا في المسألة على التكليف كان حكمه الرجوع إلى البراءة ، لا إلى من يعتقد وجود الدليل على التكليف .
والحاصل : إن اعتقاد مجتهد ليس حجّة على مجتهد آخر خال عن ذلك الاعتقاد ، وأدلة وجوب رجوع الجاهل إلى العالم يراد بها العالم الذي يختفي منشأ علمه على ذلك الجاهل ، لا مجرّد المعتقد بالحكم . ولا فرق بين المجتهدين المعتقدين المختلفين في الاعتقاد وبين المجتهدين اللذين أحدهما اعتقد الحكم عن دلالة والآخر اعتقد بفساد تلك الأدلة ، فلم يحصل له اعتقاد . وهذا شيء مطّرد في باب مطلق رجوع الجاهل إلى العالم ، شاهدا كان أو مفتيا أو غيرهما » .
المقدمة الرابعة : على حساب المصنف وهي لزوم الإطاعة الظنية عند عدم التمكن من الإطاعة العلمية وهذا مما يستقل به العقل ، إذ الأمر يدور بين الرجوع إلى الطرف الراجح في الظن ، وبين الرجوع إلى الطرف المرجوح ، أي : الموهوم . ولا شك في : أن الآخذ بطرف المرجوح ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو قبيح عقلا على حد تعبير المصنف . وقد ذكر الشيخ الأنصاري في توضيح ذلك بطرح مراتب الإطاعة وهي أربع إلّا أنه « قدّس سرّه » قبل أن يذكرها ذكر مقدمة وهي كالتالي في المقدمة الرابعة في : أنّه إذا وجب التعرض لامتثال [ الواقع في مسألة واحدة أو في مسائل ، ولم يمكن الرجوع فيها إلى الأصول ، ولم يجب أو لم يجز الاحتياط ، تعيّن العمل فيها بمطلق الظنّ . ولعلّه لذلك يجب العمل بالظنّ في الضرر والعدالة وأمثالهما .
إذا تمهّدت هذه المقدمات فنقول : قد ثبت وجوب العمل بالظنّ فيما نحن فيه . ومحصّلها : أنّه إذا ثبت انسداد باب العلم والظنّ الخاصّ كما هو مقتضى المقدمة الأولى ، وثبت وجوب امتثال ] الأحكام المشتبهة وعدم جواز إهمالها بالمرّة كما هو مقتضى المقدمة الثانية ، وثبت عدم وجوب كون الامتثال