وكذا الحال فيما شك في متعلق التكليف على النحو المزبور ، كأن شك في أن تكلما خاصا هل هو كذب ؟ فتجري البراءة عن حرمته .
مثال آخر للشك في قيد من قيود التكليف على مفاد كان التامة وهليّة المركبة :
الشك في وقوع آية من الآيات لوجوب صلاتها ، فإن الوجود الخارجي للآية قيد لوجوب الصلاة ، والوجود الخارجي لشيء يكون بمفاد كان التامة لا محالة .
ومثال الثاني : وجوب الوضوء مشروط بوجود الماء المطلق ، فإذا شك في ماء أنه مطلق أو مضاف ، لا يصح له أن يكتفي بالوضوء بالماء المشكوك لأنه شك في الامتثال وحصول المحصّل ، فعليه أن يحصل على ماء يطمئن أنه مطلق كي يحرز الامتثال ، إذ الوجوب الشرطي للوضوء بالإضافة إلى طبيعة الماء أخذ على نحو البدلية وصرف الوجود ( لا على نحو الانحلالية والشمول كي يكون الوضوء بكل فرد من الماء صحيحا ) ، ومن هذا البيان يظهر : أن لجريان البراءة في الشبهات الموضوعية معيارا ظريفا يلزم التنبيه عليه حتى لا يقع المفتي على خلاف الواقع ، فإن في قسم منها يتحتم وجوب الموافقة القطعية وهو يساوق مفاد قاعدة الاشتغال كما أشرنا إليه .
وملخص هذا القسم هو : أن يكون التكليف وموضوعه وجملة من قيوده معلوما ؛ وإنما الشك في قيد من قيود المتعلق تردد حصوله بين هذا وذاك مثل : ماء يشك في أنه مطلق أو مضاف ومسلم أن وجوب الوضوء بالإضافة إلى هذا القيد مأخوذ بدلا .
أو يشك في موضوع التكليف وكان إسناده إلى الموضوع المشكوك بدليا أيضا ، مثل قوله : أكرم عالما ، حيث لا يجوز الاقتصار بإكرام من يشك في أنه عالم لأنه من الشك في الامتثال وهو مجرى لأصالة الاشتغال .
والشغل اليقيني يستدعي فراغ العهدة على نحو اليقين جار فيه وفي نحوه من قبيل : ما لو لاقى شيء لجميع الأطراف المشتبهة بالنجس المعلوم إجمالا والملاقي لأحد المائعين المشتبهين بالنجس وفي مرتبته ملاقي المشتبه الآخر ، فإن الأول معلوم النجاسة تفصيلا . والثاني أصل الطهارة فيه معارض مع أصل الطهارة للملاقي الآخر ، وعليه : لا مناص من الاجتناب عن الملاقيين لحدوث علم إجمالي ثان بنجاسة أحدهما .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 472
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٤٧٢