وله وجاهة لو كان إجراء البراءة بواسطة الفقيه قبل الفحص عن الأحكام ، حيث أن في هذه الصورة الاحتمال في أطراف العلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعية يكون منجزا ومانعا عن تأثير دليل البراءة للتعارض ؛ لكن محط النظر في محل البحث هو إجراء البراءة بنظر الفقيه بعد الفحص ( 1 ) بتتبع الآيات والأخبار والشهرات والإجماعات والأصول المثبتة للأحكام التكليفية والوضعية .
وبعد ملاحظتها يحصل ويتجمع عند الفقيه المستنبط كمية كبيرة من الأحكام تفصيلا على نحو القطع - افرض - لا تقلّ عددا عن العدد المعلوم إجمالا أولا ، فهذه المعلومة تفصيلا كانت منجزة قبل قيام الأدلّة والأمارات على ثبوتها لا يمكن أن تصبح منجزة بالعلم الإجمالي المذكور ؛ ( لعدم قبول مورد واحد لحكمين متماثلين ) ، فتخرج عن كونها مجرى لأصالة البراءة ، وحينئذ تبقى الموارد الأخرى المجهولة مشكوكة بدوية تحت عمل أصالة البراءة بلا معارض .
وبناء عليه ، العلم الإجمالي المذكور ينحل بانحلال أثره وهو التنجز ببركة العلم التفصيلي المسطور ، فالأصول النافية المؤمنة من البراءة وغيرها جارية طرا خارج نطاق هذا العلم لطرد التكليف المشكوك .
وأما إذا كان التكليف محرزا ويشك في المكلف به بين أطراف المحتملات بعلم إجمالي ، فالكلام هنا في مرحلة العلم بإتيان بعض المحتملات دون بعض يرجع إلى منجزية الاحتمال ، وهذا يكون مجرى لأصالة الاشتغال .
حقيقة العلم الإجمالي والشك المقرون به :
الحق : إنه لا إجمال في العلم فإنه نور ومرآة وكاشف ، وإنما الإجمال في متعلقه فهو كالعلم التفصيلي بيان يحتج به .
وبحيث أنه يتعلق لا على التعيين - أي : على نحو الإبهام والإجمال - بأحد الأفراد - الذي هو الجامع المخترع للذهن - على وضع يكون كل واحد طرفا لاحتمال تعلق التكليف به ، أو يكون هو المكلف به يطلق عليه : العلم الإجمالي ، فالوصف أولا وبالذات بحال المتعلق لا بحال الموصوف النحوي ، وفي الوقت يكون العلم الإجمالي بنفسه منجزا ، ولأجل المعارضة بين الأفراد تلك المعارضة الحاصلة من
شرح
( 1 ) تقدم الكلام عليه في التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة عند الوقوف على أبوابها . ( المصنّف ) .