سبب النجاة في مورد العلم بالتكليف إجمالا وعروض الاشتباه والالتباس لشخص المكلف به ، وهذا أجنبي عما نحن فيه ، وهو التفتيش عن وجود دليل على لزوم الاحتياط في مورد الشك البدوي ثم إجراء البراءة بعد اليأس .
وأما الصنف الثاني وهو الأخبار الآمرة بالكفّ والتوقف عند الشبهة : فإنها ناظرة إلى الكفّ عن القول بغير علم والوقوف أمام خطر المشكوك لا الشك ، أي : إذا كان في الولوج في المشكوك خشية هلكة فالمناسب التريث والتأمل لئلا يقع الإنسان في خطر أمر محظور باستعجال ، والاحتياط بهذا المعنى لا ينكره أحد .
على أن الشبهة المستعملة في هذا الصنف من الروايات غير الشك البدوي مفهوما ، فإنه الحيرة والاحتمال ، والشبهة ما تشابه المقصد وتماثله من بين الأمثال ، ولذا ورد عن أمير المؤمنين علي « عليه السلام » : « وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق » ( 1 ) .
فهذا الصنف من الروايات يرشد إلى : أنه إن كان هناك التباس وتدليس ونفاق فعليكم بالحذر والتثبت والتمحيص إلى أن يجلو لكم وجه الحق ويتبين الرشد من الضلال ، فأين هذا من الدلالة على لزوم الاحتياط في الشكوك البدوية بعد الفحص والدقة ؟ وأي ربط له بلزوم الاجتناب عند احتمال الثبوت لحكم شرعي ؟
أما الصنف الثالث الموسوم بأخبار التثليث ، فالهدف فيها الحث على الابتعاد عما يتردد أن فيه الرشد أو الغي ، وهذا أيضا بجانب بعيد عن المقصد وهو لزوم الاحتياط في إطار ما هو مشكوك الحلية والحرمة ، وما وردت الرخصة فيه من ناحية الشرع ضمن أدلة البراءة داخل في المبين رشده .
وهكذا الجواب عن أخبار ادّعيت دلالتها على لزوم الاحتياط في الشك البدوي في الحرمة ، مضافا إلى : أنها على الأغلب ضعيفة سندا .
فالحق : إنه لا دليل لفظي في البين يدل على تحتم الاحتياط في مورد الشك في الحكم التحريمي فضلا عن الوجوبي ، وفي مورد الشك في الموضوع ، فإن هذه الأخبار بناء على تسليم الدلالة وإن تشمل الأخيرين بإطلاق أو عموم لكنهما خارجان عن تحتها بالاتفاق والإجماع تخصصا لا من باب عمل التخصيص فإن
شرح
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 38 .