قال : « ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع عنهم » ( 1 ) .
ظاهره أن الشيء الذي حجبه اللّه وستره عن عباده ( بلحاظ أنه فعال لما يشاء وخبير بالمصالح وأزمة الأمور طرا بيده ولا يسأل عما يفعل ) فهو موضوع ومرفوع عنهم بعد جعله ووضعه عليهم ، لا ما سكت عنه « سبحانه وتعالى » ولم يجعله من الأول ، فإن ما كان غير مجعول من بدء الأمر كيف يصح أن يرفع ؟
وببيان آخر : ظاهر الحجب المسند إليه تعالى أن ما حجبه عن عباده باعتبار أنه ربهم وصاحب اختيارهم فهو مرفوع عن عمومهم عموما استغراقيا لا عموما جمعيا كي لا تشمل المعتبرة الأحكام التي يجعلها بعضهم دون بعض ، سواء كان وجه الحجب أمرا من الأمور الخارجية كإخفاء الغاصبين أو قهرا سماويا أو جبابريا كضياع الكتب وهلاكها من قبيل التصانيف الكثيرة لمحمد بن أبي عمير ، حيث سال المطر عليها أو دفنتها أخته حينما كان في الحبس وتحت الضغط أربع سنين ، أو غير ذلك من قبيل عدم كون المعصوم مأمورا بإبلاغه إلى العباد .
وفي كل ذلك يصدق إسناد الحجب - حجب الحكم الواقعي - إليه سبحانه حقيقة ، حيث أنه رب العالمين وخالق الكون والتكوين .
وقد تقتضي بعض المصالح إخفاءه وستره ولو بسلب التوفيق عن العباد لا بسبب تقصيرهم ؛ وذلك بعدم فحصهم عن الحكم الواقعي الفعلي على ما يشير إليه لفظ :
« موضوع عنهم » ، أي : الحكم الواقعي الفعلي المحجوب المجهول ساقط ومرفوض ومتروك عنهم لفظا ورأفة فلا يجب عليهم الاحتياط ، وفي الحقيقة المرفوع في حقهم هو إيجاب الاحتياط .
وبهذا الشرح المختصر لهذا الحديث المعتبر ظهر أنه ( في واقعة البراءة في الشبهة
شرح
لينصرف إلى ذلك النحو من الحجب ، بل أسند إليه بما هو رب العالمين ، وبيده الأمر من قبل ومن بعد ، وبهذا يشمل كل حجب يقع في العالم ، ولا موجب لتقييده بالحجب الواقع منه بما هو حاكم .
وقد ذكر السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » ملاحظة ثانية على الاستدلال : وهو أن موضوع القضية ما حجب عن العباد ، فتخصص بما كان غير معلوم لهم جميعا ، فلا يشمل التكاليف التي يشك فيها بعض العباد دون بعض . وقد يجاب على ذلك باستظهار الانحلالية ( مثل : أكرم كل عالم أي : أكرم كل عالم على نحو الانفراد أي : فردا فردا . . . ) من الحديث ، بمعنى : أن كل ما حجب عن عبد فهو موضوع عنه ، فالعباد لوحظوا بنحو العموم الاستغراقي لا العموم المجموعي .
( 1 ) جامع أحاديث الشيعة 1 : 326 / رقم 606 . ( 8 ) .