فتدعه ( 1 ) » .
شرح
( 1 ) وتقريب الاستدلال بهذه الصحيحة : هو أنّ كلّ فعل قابل لأن يتصف بالحلية والحرمة فهو لك حلال حتى تعرف حرمته بعينه .
إذا : الصحيحة تريد أن تثبت أن الشيء الذي فيه حلال وفيه حرام يكون لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه . وهذا يمكن التمسك به في مقام الشبهة الحكمية فيقال : المكلف الذي لا يعلم الحرام بعينه في المقام يجعل له الحلية الظاهرية ، وهذا معنى البراءة ، ولكن ذهب جماعة من المحققين إلى : أن هذا الحديث مختص بالشبهة الموضوعية ، وذلك لقرينتين ذكرهما السيد الصدر « قدّس سرّه » في حلقته الثانية وهما بتصرف :
« القرينة الأولى : إن ظاهر قوله : « كل شيء فيه حلال وحرام . . . » افتراض طبيعة منقسمة فعلا إلى أفراد محللة ، وأفراد محرمة ، وإن هذا الانقسام هو السبب في الشك في حرمة هذا الفرد أو ذاك وهذا إنما يصدق في الشبهة الموضوعية مثل : اللحم المشترى من السوق المحتمل للمذكّى فيكون حلالا ، والمحتمل للميتة فيكون حراما ، يعني : هذه الطبيعة ( أي : اللحم ) تنقسم إلى قسمين حلال وحرام ، والرواية تقول :
هو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه . إذا : انقسام طبيعي اللحم إلى حلال وحرام هو الذي جعلني اشتبه في حليته وحرمته .
وحينئذ : الرواية تقول : هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام . لا في مثل الشك في حرمة شرب التتن مثلا وأمثاله من الشبهات الحكمية ، فإن الشك فيها لا ينشأ من تنوع أفراد الطبيعة ، بل من عدم وصول النص الشرعي على التحريم . بمعنى : إننا في الشبهة الحكمية عندما نشك في إن لحم الأرنب هل هو حلال أم حرام هنا ليس لدينا طبيعة منقسمة إلى قسمين ، بل حتى لو قلنا : إنه توجد طبيعة منقسمة إلى حلال وحرام فإنه في المقام لا نستطيع أن نقول : إن هذا منشأ الشك في حرمة لحم الأرنب ، أي : هذا الانقسام لا يكون سببا في أن نشك إن لحم الأرنب هو حلال أم حرام . وإنما السبب هو هل يوجد نص شرعي أم لا ؟ هذه تسمى بالشبهة الحكمية وهي خلاف ظاهر الرواية ، فإن ظاهر الرواية هو أن منشأ الشك في الشبهة الموضوعية نظير الشك في المائع بأنه هل هو حرام أم حلال ؟ ومنشأ الشك هو :
أن في المائع احتمال وجود الخمر فيكون حراما ، واحتمال وجود خلّ فيه فيكون حلالا ، فاحتمال وجود هذين القسمين في المائع هو منشأ الشك في إن هذا المائع حلال أم حرام ؟ « 1 » .
القرينة الثانية : أن يقال في المقام : نحن نستدل بكلمة « بعينه » الواردة في الحديث على اختصاص الحديث بالشبهة الموضوعية ، وذلك أن كلمة « بعينه » أما أن تكون تأكيدا ، وإما أن تكون لها معنى ، وتوجد عند الأصوليين قاعدة وهي : أن الأصل في القيود أن تكون احترازية بمعنى : أن كل قيد يذكر في الكلام لا بدّ أن يكون له معنى لا إنه يحمل على التأكيد . وهنا في المقام نقول بالنسبة إلى كلمة « بعينه » : إذا قلنا أن مفاد الحديث يحمل على الشبهة الحكمية كانت كلمة « بعينه » تأكيدا صرفا للحرام بعينه أو الحلال بعينه أي : تأكيدا للحكم - لأن العلم بالحرام فيها مساوق للعلم بالحرام بعينه عادة في
هامش
( 1 ) راجع : منتهى الأصول .