دلت الآية الشريفة على : أن ما التزمه اليهود بتحريمه على أنفسهم ولم يعلم حرمته فيما أوحى اللّه إلى رسوله من الشريعة ، افتراء عليه سبحانه من قبلهم ، فإنه تشريع محرم ، إذ هو من باب إدخال ما لم يعلم من الدين فيه ، فالآية كسابقتها واردة مورد التوبيخ عليهم بأنهم انصرفوا عن أصل مسلّم عقلائي وهو ما لم يعلم المنع عنه فلا يجوز ترتيب أثر التحريم عليه ، ولا يصح الالتزام بتركه فإنه قول بغير إذن ، ومعنى هذا : أنه لما لم يوجد بيان على الحرمة تكون الوظيفة الذهاب إلى البراءة ، فبمجرد عدم العلم بخطاب واقعي على التكليف الواقعي يكون المكلف مرخصا ظاهرا في الارتكاب ، ويستساغ له الترخيص فعلا في الاقتحام ، وحقيقة ذلك نفي وجوب الاحتياط ، هذا .
وهناك آيات أخرى قد استدل بها على ما هو هدف الأصولي ؛ ولكن لما كانت غير ظاهرة في غرضه فالاكتفاء بالآيات الباهرة الخمس التي ذكرناها في إثبات المسألة كان أولى مراعاة للاختصار واشتغالا بالأهم .
أصل البراءة في لسان السنة :
أحاديث عديدة تمسك بها القائلون بالبراءة في الشبهة الحكمية لا سيما التحريمية منها . ونحن بقرار الاختصار واختيار ما هو الأوفى والأدل نكتفي بذكر خمسة منها :
1 - صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه « عليه السلام » :
« كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه
شرح
وآله » كاف للتأمين في عدم العذاب والعقاب . لأن عدم وجدان النبي « صلى اللّه عليه وآله » يساوق عدم الوجود الفعلي للحكم .
ويرد على هذا التقريب : « أن عدم وجدان النبي « صلى اللّه عليه وآله » فيما أوحي إليه يساوق عدم الوجود الفعلي للحكم ، فكيف يقاس على ذلك عدم وجدان المكلف المحتمل أن يكون بسبب ضياع النصوص الشرعية » .
وبعبارة أخرى نقول : لا يجوز قياس عدم وجدان النبي « صلى اللّه عليه وآله » بعدم وجدان المكلف لأن عدم وجدان المكلف بالحكم لا يعني إن الحكم ليس موجودا فعلا ، بخلاف النبي عدم وجدانه يدل على عدم وجود الحكم فعلا لأنه مصدر للشريعة ، ومبلغ الشريعة فيبطل الاستدلال بهذه الآية الشريفة .
وقال الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » : بأن الآية لا تدل على البراءة ، لكنه فيها إشعار بذلك .