فعلا ولا استحقاقا إلّا بعد أن نوصل إليهم بيانا ، ونعلم العباد وظيفتهم ونتم عليهم الحجة عقلا ونقلا ، فالآية شاملة لبراءة المكلف عن مخالفة التكليف المجهول ما لم يصل إليه .
وببيان آخر : أن سياق الآية وسبكها - استقراء لنظائرها - هو نفي تبدل سجية اللّه وتغير عادته في القرون الماضية وهذه الأمة المرحومة طرّا بمقتضى الحكمة أن لا يعذب من دون بيان الحجة ، فإن ذلك غير لائق بالمولى اللطيف الحقيقي ، فهذا التفسير شامل لنفي العذاب الأخروي واستحقاقه وإلّا فثبوت الاستحقاق مع نفي فعلية العذاب خلاف ما هو لائق به سبحانه أن لا يؤاخذ قبل تمامية البيان من العقل والنقل ، فدلالة هذه الآية أيضا تامة على المرام .
3 - ومنها : في سورة التوبة ، الآية 115 : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
( 1 )
.
شرح
الآية الكريمة أصرح وأظهر دليل على البراءة في الشبهات ومورد الجهل بالتكليف الإلزامي .
ثم أن الأخباريين استدلوا بهذه الآية الكريمة على عدم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، بتقريب :
إنّ العقل إذا حكم بلزوم فعل شيء ما أو تركه ، ولم يرد بيان من قبل الشارع المقدس على طبق ما حكم به العقل فلا عقاب على مخالفة ما حكم العقل بلزوم فعله أو تركه ، ونفي العقاب يدل على نفي التكليف . فإذا حكم العقل بفعل شيء أو تركه ليس على وفقه يحكم الشارع بحكم هذه الآية .
- وعلى فرض أن الآية الكريمة تدل على البراءة ، وكون المراد من الرسول البيان الواصل إلى المكلف فنقول : حكم العقل بيان ، وقد وصل إلى المكلف ، ولذلك اشتهر : أن العقل رسول باطني ، كما أن الرسل والأنبياء رسل ظاهرية .
( 1 ) وتقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة على البراءة هو : أن المراد بالإضلال في الآية الكريمة : إما تسجيلهم ضالين ومنحرفين ، وإما نوع من العقاب ، كالخذلان والطرد من أبواب الرحمة . وعلى أي حال إن اللّه « عزّ وجلّ » لا يخذل العباد إلّا بعد البيان وإتمام الحجّة على العباد ، وذلك بإيصال التكاليف إليهم ، ففي مورد الجهل بالتكليف وعدم البيان والإيصال إليهم لا خذلان ولا ضلال ولا مؤاخذة ولا عقاب في المقام ، فتدل الآية الكريمة على البراءة .
إلّا أن الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » يرى أن هذه الآية أجنبية عن البراءة وذلك لأن ظاهر هذه الآية :
إن الخذلان في الدنيا لم يكن في الأمم السابقة إلّا بعد بيان ما كان يجب أن يتركوه ، فارتكبوا ولم يجتنبوا ، كالمعاصي التي صدرت عن قوم لوط مثلا ، فخذلهم اللّه وأضلهم ، فتكون الآية الكريمة أجنبية