معناها يقرب من مفاد سابقتها ، أي : لم يكن لائقا به سبحانه أن يعذب قوما في الدنيا والآخرة إلّا بعد هدايتهم إلى الإسلام وبعد أن يبين لهم ما يرضيه وما يسخطه ، ودلالتها على المدعى ، وهو : عدم تحقق الذنب بفعل محتمل الحرمة وترك محتمل الوجوب قبل حصول البيان ووصوله من الشارع أوضح من أن يخفى ، وأدلة الاحتياط والتوقف الآتي ذكرها تعد بيانا ملزما لأن مفادها على ما يأتي ليس هو الإلزام .
4 - ومنها : في سورة الأنعام ، الآية 119 : وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ .
تدل على إباحة ما لم يوجد تحريمه في الشرع بعد التفصيل والبيان من قبل الشارع .
وجه الدلالة : إن اللّه سبحانه قد ذم على الالتزام بترك شيء لم يوجد تحريمه في الكتاب والسنة ، أي : الأدلّة التي بأيدينا ، فالمتروك حينئذ مجهول الحرمة والالتزام بتركه مورد للتوبيخ بالآية لأنه تشريع في الظاهر مقابل دستور الشريعة ، ومن هذا التقريب يظهر : أن ظاهر لسان الآية لسان إبطال وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية التحريمية ، فتكون الآية أظهر من أخواتها في الدلالة على المقصود ، وهو جريان البراءة وإثبات الإباحة الظاهرية في الشبهة ( 1 ) .
5 - ومنها : في سورة الأنعام ، الآية 145 : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
( 2 )
.
شرح
عن البراءة في مورد التكليف المجهول .
يرد على الشيخ الأنصاري : بأن ورود الآية في مورد السؤال في الذين ماتوا قبل نزول حكم الزكاة والصوم والحجّ ، وإنهم هل يعاقبون على ترك هذه الأشياء ، أم لا ؟
( 1 ) فتدل الآية الكريمة على حليّة مشكوك الحرمة مع عدم دليل على حرمته .
( 2 ) وتقريب الاستدلال بالآية الكريمة : أن اليهود والمشركين حيث حرموا على أنفسهم طائفة من الأنعام ، فنزلت الآية لتلقين النبي « صلى اللّه عليه وآله » كيفية المحاجة مع اليهود والرد عليهم ، وأنه مع عدم وجود هذه المذكورات في جملة المحرمات يكون تحريمها تشريعا وتكذيبا على اللّه « عزّ وجلّ » ، فكل شيء لم يرد نهي عنه من قبل اللّه « عزّ وجلّ » فهو حلال . فالآية إذا : تعلم النبي طريقة كيفية المحاجة مع اليهود . فعند ما يسأل اليهود النبي لما ذا لم يحرم ما حرموه ؟ يجيب عليهم قائلا : أنا لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلّا الميتة أو دما مسفوحا . . . فعدم علم النبي « صلى اللّه عليه