. . . . .
شرح
وبين العمل بالشك والوهم فيه ، مما لا شك يتقدم الظن على الشك والوهم ، وفي صورة الخلاف بمعنى : لو قدمنا الشك والوهم على الظن يلزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح ، وبعبارة أخرى :
أنه لو جاز ترك العمل بالظنّ فيجوز الأخذ بالوهم ، الذي هو مقابل الظن وهو قبيح .
وقد أجاب الشيخ الأنصاري صاحب الرسائل ( فرائد الأصول ) على هذا الدليل ما هو لفظه : « وربما يجاب عنه : بمنع قبح ترجيح المرجوح على الراجح ، إذ المرجوح قد يوافق الاحتياط ، فالأخذ به حسن عقلا . وفيه : إنّ المرجوح المطابق للاحتياط ليس العمل به ترجيحا للمرجوح ، بل هو جمع في العمل بين الراجح والمرجوح . مثلا : إذا ظنّ عدم وجوب شيء وكان وجوبه مرجوحا ، فحينئذ الإتيان به من باب الاحتياط ليس طرحا للراجح في العمل ، لأنّ الإتيان بالمرجوح لا ينافي عدم الوجوب .
وإن أريد الإتيان بقصد الوجوب المنافي لعدم الوجوب .
ففيه : أنّ الإتيان على هذا الوجه مخالف للاحتياط ، فإنّ الاحتياط هو الإتيان لاحتمال الوجوب ، لا بقصد الوجوب ؛ لأنه إذا أتى به بقصد الوجوب يلزم منه التشريع وهو محرم » .
وقد يجاب أيضا : بأن ذلك فرع وجوب الترجيح ، بمعنى : أنّ الأمر إذا دار بين ترجيح المرجوح وترجيح الراجح ، كان الأوّل قبيحا . وأمّا إذا لم يثبت وجوب الترجيح فلا مرجّح للمرجوح ولا للراجح .
وفيه : أنّ التوقف عند ترجيح الراجح أيضا قبيح ، كترجيح المرجوح » . ثم عقب شيخنا الأعظم قائلا :
« الأولى الجواب . . . » أي : أن الشيخ الأنصاري هنا يريد أن يجيب عن الدليل بوجهين :
أحدهما : « جواب حلّي : وتوضيحه : تسليم القبح إذا كان التكليف وغرض الشارع متعلقا بالواقع ولم يمكن الاحتياط . فإنّ العقل قاطع بأنّ الغرض إذا تعلّق بالذهاب إلى بغداد وتردّد الأمر بين طريقين ، أحدهما مظنون الإيصال ، والآخر موهومه ، فترجيح الموهوم قبيح ، لأنّه نقض للغرض . وأمّا إذا لم يتعلّق التكليف بالواقع أو تعلّق به مع إمكان الاحتياط ، فلا يجب الأخذ بالراجح ، بل اللازم في الأول هو الأخذ بمقتضى البراءة وفي الثاني الأخذ بمقتضى الاحتياط . فإثبات القبح موقوف على إبطال الرجوع إلى البراءة في موارد الظنّ وعدم وجوب الاحتياط فيهما . ومعلوم أنّ العقل قاض حينئذ بقبح ترجيح المرجوح ، فلا بدّ من إرجاع هذا الدليل إلى دليل الانسداد الآتي المركّب من بقاء التكليف وعدم جواز الرجوع إلى البراءة وعدم لزوم الاحتياط » .
وهذا ما اختاره صاحب الكفاية أيضا وأذكره هنا بعبارة أكثر وضوحا من عبارة صاحب الرسائل ، قال المروج في شرح عبارة صاحب الكفاية ما حاصله : « اختار صاحب الكفاية الجواب الحلي ، وتوضيحه :
أن هذا الدوران إنما يتحقق فيما إذا لزم الأخذ بالمظنون وأخويه ولم يمكن الجمع بينهما عقلا ، لاختلال النظام ، أو شرعا ، للعسر والحرج ، فحينئذ إذا ترك العمل بالظن دفعا للمحذور العقلي أو الشرعي لزم ترجيح المرجوح - وهو الشك والوهم - على الراجح وهو الظن ، ومن المعلوم : إنه لا يجب العمل بالمظنون وأخويه إلّا بعد تمامية مقدمات الانسداد ، ومعها لا يكون هذا الوجه دليلا مستقلا ، بل هو خامس مقدمات الانسداد ، وسيأتي في دليله وجه لزوم الجمع بين المظنون وأخويه إلّا إذا منع عنه مانع عقلا أو شرعا » .
وتوضيح عبارة : « . . . ومعها لا يكون هذا الوجه دليلا مستقلا . . . » عن المروج قال : توقف دوران الأمر