دليل الانسداد على نحو الاختصار تنويرا لذهن الطالب ، فنقول :
شرح
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .الأنفال : 25 . ( مضمونها يجب التحذر من الأضرار ) ، وقوله تعالى :وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُآل عمران : 28 . وقوله تعالى :أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِالنحل : 45 . إلى غير ذلك .
ثم عقب صاحب الرسائل قائلا : نعم التمسّك في سند الكبرى بالأدلّة الشرعية يخرج الدليل المذكور عن الأدلة العقليّة ، فتكون حينئذ الكبرى شرعية . ثم استدرك « قدّس سرّه » قائلا : لكن الظاهر أن مراد الحاجبيّ منع أصل الكبرى ، لا مجرّد منع استقلال العقل بلزومه . ولا يبعد عن الحاجبيّ أن يشتبه عليه حكم العقل الإلزاميّ بغيره ، بعد أن اشتبه عليه أصل حكم العقل بالحسن والقبح ( بوجوب دفع الضرر المظنون ) .
الوجه الثاني : هذا إشكال ثاني على الدليل ومحصله ما قاله الشيخ الأنصاري في رسائله : « يظهر من العدة والغنية وغيرهما ، من أنّ الحكم المذكور مختص بالأمور الدنيويّة ، فلا يجري مع الأخروية مثل العقاب وهذا كسابقه في الضعف ، فإنّ المعيار هو التضرّر ( وهو أعم من أن يكون التضرر دنيويا أو أخرويا ) ، مع أنّ المضارّ الأخرويّة أعظم ، اللهمّ إلّا أن يريد المجيب ما سيجيء ، من أنّ العقاب مأمون على ما لم ينصب الشارع دليلا على التكليف به ، بخلاف المضار الدنيوية التابعة لنفس الفعل أو الترك علم حرمته أو لم يعلم ، أو يريد أنّ المضارّ الغير الدنيويّة وإن لم تكن خصوص العقاب ، ممّا دلّ العقل والنقل على وجوب إعلامها على الحكيم ، وهو الباعث له على التكليف والبعثة . لكن هذا الجواب راجع إلى منع الصغرى ( وهو إنه لا ضرر أخروي لوجود البراءة العقلية وهي قبح العقاب بلا بيان ) ، لا الكبرى ( لأنه لا يوجد ضرر لأجل دفعه ) » .
صاحب الكفاية قد رد على الدليل بعدم تمامية الصغرى في قوله : « والصواب في الجواب هو منع الصغرى » وتوضيحه : « أنه إما أن يكون المراد بالضرر المذكور في صغرى الدليل العقوبة أو يكون المراد به المفسدة ، فهنا احتمالان :
الأول : أن يراد بالضرر المذكور فيها العقوبة ، الثاني : أن يراد به المفسدة ، فإن كان الاحتمال الأول منعنا الملازمة بين الظن بالحكم والظن بالعقوبة على مخالفته .
وجه المنع : أن الملازمة بينهما منوطة بثبوت هذه الملازمة بين وجودهما في الواقع حتى يكون الظن بأحد المتلازمين ظنا بالملازم الآخر ، كالظن باستقبال الكعبة لمن ظن باستدبار الجدي ممن يكون في أواسط العرق ، فإن الملازمة حيث تكون بين نفس الاستدبار والاستقبال ، فالتلازم يتحقق في جميع المراحل من العلم والظن والشك . والمقام ليس كذلك ، ضرورة إن مطلق مخالفة الحكم الواقعي لا يستلزم استحقاق العقوبة ، بل المستلزم له هو خصوص مخالفة الحكم المنجز » .
وإن شئت فقل : إن استحقاق العقوبة ليس من لوازم جميع مراتب الحكم ، بل خصوص مرتبته الأخيرة - وهي التنجز - فاستحقاق العقوبة من لوازم المعصية التي هي خصوص مخالفة الحكم المنجز ، ومن المعلوم : إن الظن بالحكم - مع الشك في اعتباره - لا يستلزم الظن باستحقاق العقوبة ، ولا الشك فيه ، بل يقطع بعدم الاستحقاق ، إذ مع عدم تنجز الحكم الواقعي لا تعد مخالفته معصية حتى يترتب عليها