ولأجل هذا السؤال المحرج سلك الأصوليون عدة طرق للجواب عنه وتصحيح جعل حجية الأمارات .
وسيأتي بيان هذه الطرق والصحيح منها في البحث ( 12 ) .
وغرضنا من ذكر هذا التنبيه هو : أن التصحيح شاهد على ما أردنا الإشارة إليه هنا ؛ من أن موطن حجية الأمارات وموردها ما هو أعم من فرض التمكن من تحصيل العلم وانفتاح بابه ومن فرض انسداد بابه .
ومن هنا نعرف وجه المناقشة في استدلال بعضهم على حجية خبر الواحد بالخصوص بدليل انسداد باب العلم ، كما صنع صاحب المعالم ، فإنه لما كان المقصود إثبات حجية خبر الواحد في نفسه - حتى مع فرض انفتاح باب العلم - لا يبقى معنى للاستدلال على حجيته بدليل الانسداد .
على أن دليل الانسداد إنما يثبت فيه حجية مطلق الظن من حيث هو ظن كما سيأتي بيانه ، فلا يثبت به حجية ظن خاص بما هو ظن خاص .
نعم ، استدل بعضهم على حجية خبر الواحد بدليل الانسداد الصغير ، ولا يبعد صحة ذلك ، ويعنون به : انسداد باب العلم في خصوص الأخبار التي بأيدينا التي نعلم على الإجمال بأن بعضها موصل إلى الواقع ومحصل له . ولا يتميز الموصل إلى الواقع من غيره ، مع انحصار السنة في هذه الأخبار التي بأيدينا .
وحينئذ : نلتجئ إلى الاكتفاء بما يفيد الظن والاطمئنان من هذه الأخبار وهذا ما نعنيه بخبر الواحد .
والفرق بين دليل الانسداد الكبير والصغير : أن الكبير هو انسداد باب العلم في جميع الأحكام من جهة السنة وغيرها ، والصغير هو انسداد باب العلم بالسنة مع انفتاح باب العلم في الطرق الأخرى ( 1 ) ، والمفروض : إنه ليس لدينا إلّا هذه الأخبار التي لا يفيد أكثرها العلم ، وبعضها حجة قطعا وموصل إلى الواقع ( 2 ) .
شرح
( 1 ) كالإجماع والتواتر وغيرها .
( 2 ) المراد من دليل الانسداد الكبير هو : أن الدعوى فيه انسداد باب العلم ( من السنة والكتاب ) والعلمي ( الإجماع ، والتواتر ، والظن الخاص وغيرها ) ، ولما انسدت كل الطرق فليس لدينا من هذه الطرق ما يفيد العلم بالحكم ، وحيث إن الأحكام لا يجوز إهمالها ، وباقية إلى يوم القيامة ، والاحتياط في جميعها عسير ، وعليه : يأتي العقل ويحكم بحجية مطلق الظن ، إلّا أن هذه الدعوى مردودة ، فإن