ومن أجل هذا أصبح هذا التفصيل من أهم الأقوال التي عليها مدار المناقشات العلمية في عصرنا . ويلزمنا النظر فيه من جهتين : من جهة المقصود من المقتضى والمانع ، ومن جهة مدى دلالة الأخبار عليه .
1 - المقصود من المقتضى والمانع : ونحيل ذلك إلى تصريح الشيخ نفسه فقد قال : ( المراد بالشك من جهة المقتضى : الشك من حيث استعداده وقابليته في ذاته للبقاء ، كالشك في بقاء الليل والنهار ، وخيار الغبن بعد الزمان الأول ) .
فيفهم منه : أنه ليس المراد من المقتضى - كما قد ينصرف ذلك من إطلاق كلمة المقتضى - مقتضي الحكم أي : الملاك والمصلحة فيه ، ولا المقتضى لوجود الشيء في باب الأسباب والمسببات بحسب الجعل الشرعي ، مثل أن يقال : أن الوضوء مقتض للطهارة وعقد النكاح مقتض للزوجية ، بل المراد نفس استعداد المستصحب في ذاته للبقاء وقابليته له من أية جهة كانت تلك القابلية ، وسواء فهمت هذه القابلية من الدليل أو من الخارج ، ويختلف ذلك باختلاف المستصحبات وأحوالها ، فليس فيه نوع ولا صنف مضبوط من حيث مقدار الاستعداد ، كما صرح بذلك الشيخ .
والتعبير عن الشك في القابلية بالشك في المقتضى فيه نوع من المسامحة توجب الإيهام ، وينبغي أن يعبر عنه بالشك في اقتضائه للبقاء لا الشك في المقتضى ، ولكن بعد وضوح المقصود فالأمر سهل .
وأما الشك في الرافع ، فعلى هذا يكون المقصود منه الشك في طرو ما يرفع المستصحب مع القطع باستعداده وقابليته للبقاء لولا طرو الرفع ، كما صرح به الشيخ ، وذكر أنه على أقسام ، والمتحصل من مجموع كلامه في جملة مقامات : أنه ينقسم إلى قسمين رئيسين : الشك في وجود الرافع والشك في رافعية الموجود .
وهذا القسم الثاني أنكر المحقق السبزواري حجية الاستصحاب فيه بأقسامه الثلاثة الآتية وهو القول العاشر في تعداد الأقوال ، ونحن نذكر هذه الأقسام لتوضيح مقصود الشيخ .
1 - الشك في وجود الرافع : ومثّل له بالشك في حدوث البول مع العلم بسبق الطهارة . وهو « رحمه اللّه » لا يعني به إلّا الشك في الشبهة الموضوعية خاصة ، وأما ما كان في الشبهة الحكمية فلا يعمه كلامه ، لأن الشك في وجود الرافع فيها
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 393
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٣٩٣