والمهم لنا أن نبحث الآن عن مدى دلالة تلكم الأخبار من جهة بعض التفصيلات المهمة في الاستصحاب ، فنقول :
1 - التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية :
إن المنسوب إلى الأخباريين اعتبار الاستصحاب في خصوص الشبهة الموضوعية ، وأما الشبهات الحكمية مطلقا :
فعلى القاعدة عندهم من وجوب الرجوع إلى قاعدة الاحتياط . وعلل ذلك بعضهم :
بأن أخبار الاستصحاب لا عموم لها ولا إطلاق يشمل الشبهة الحكمية ، لأن القدر المتيقن منها خصوص الشبهة الموضوعية ، لا سيما أن بعضها وارد في خصوصها ، فلا تعارض أدلة الاحتياط .
ولكن الإنصاف : أن لأخبار الاستصحاب من قوة الإطلاق والشمول ما يجعلها ظاهرة في شمولها للشبهة الحكمية ، ولا سيما أن أكثرها وارد مورد التعليل وظاهرها تعليق الحكم على اليقين من جهة ما هو يقين ، كما سبق بيان ذلك في الصحيحة الأولى ( 1 ) ، فيكون شمولها للشبهة الحكمية حينئذ من باب التمسك بالعلة المنصوصة ، على أن رواية محمّد بن مسلم المتقدمة عامة لم ترد في خصوص الشبهة الموضوعية .
فالحق شمول الأخبار للشبهتين .
وأما أدلة الاحتياط فقد تقدمت المناقشة في دلالتها فلا تصلح لمعارضة أدلة الاستصحاب .
2 - التفصيل بين الشك في المقتضى والرافع :
هذا هو القول التاسع المتقدم ، والأصل فيه : المحقق الحلي ، ثم المحقق الخوانساري ، وأيده كل التأييد الشيخ الأعظم ، وقد دعمه جملة من تأخر عنه ، وخالفهم في ذلك الشيخ الآخوند فذهب إلى اعتبار الاستصحاب مطلقا وهو الحق ؛ ولكن بطريقة أخرى غير التي سلكها الشيخ الآخوند .
شرح
قال الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » : ودلالتها على استصحاب الطهارة ظاهرة ، إلى أن قال « قدس سره » . . : فالمعروف بين المتأخرين الاستدلال بها على حجّية الاستصحاب في جميع الموارد .
( 1 ) قد أثبتنا عموم الصحيحة لحجية الاستصحاب في كل من الشبهة الموضوعية والحكمية ، ببيان : أن اليقين في قوله « عليه السلام » : « لا تنقض اليقين بالشك » مطلق يشمل اليقين بكل من الموضوع والحكم ، ولم تقم قرينة على إرادة أحدهما بالخصوص وإن كان مورد الرواية في شبهة موضوعية ، حيث أن الشك في انتقاض الطهارة نشأ من احتمال تحقق النوم بالخفقة والخفقتين بعد العلم بأصل الحكم وهو ناقضية النوم لها إلّا إن المورد لا يخصص الوارد .