وغير قابلة لتعلق الجعل بها نفيا وإثباتا ، وإنما الذي يصح ويمكن أن يقع في الباب هو :
إلفات نظر الخاطئ في قطعه إلى الخلل في مقدمات قطعه ، فإذا تنبّه إلى الخلل في سبب قطعه فلا محالة أن قطعه سيتبدل إما إلى احتمال الخلاف أو إلى القطع بالخلاف ولا ضير في ذلك . وهذا واضح .
8 - موطن حجية الأمارات :
قد أشرنا في مبحث الإجزاء ( المجلد الأوّل ، ص 414 ) إلى أن جعل الطرق والأمارات يكون في فرض التمكن من تحصيل العلم . وأحلنا بيانه إلى محله . وهذا هو محله ، فنقول : إن غرضنا من ذلك القول هو أننا إذ نقول : إن الأمارة حجة كخبر الواحد - مثلا - فإنّما نعني أن تلك الأمارة مجعولة حجة مطلقا ، أي : أنها في نفسها حجة مع قطع النظر عن كون الشخص الذي قامت عنده تلك الأمارة متمكنا من تحصيل العلم بالواقع أو غير متمكن منه ، فهي حجة يجوز الرجوع إليها لتحصيل الأحكام مطلقا ؛ حتى في موطن يمكن فيه أن يحصل القطع بالحكم لمن قامت عنده الأمارة ، أي : كان باب العلم بالنسبة إليه مفتوحا .
فمثلا : إذا قلنا بحجية خبر الواحد فإنا نقول : إنه حجة حتى في زمان يسع المكلف أن يرجع إلى المعصوم رأسا فيأخذ الحكم منه مشافهة على سبيل اليقين ، فإنه في هذا الحال لو كان خبر الواحد حجة يجوز للمكلف أن يرجع إليه ، ولا يجب عليه أن يرجع إلى المعصوم .
وعلى هذا ، فلا يكون موطن حجية الأمارات في خصوص مورد تعذّر حصول العلم أو امتناعه ، أي : ليس في خصوص مورد انسداد باب العلم ، بل الأعم من ذلك ، فيشمل حتى موطن التمكن من تحصيل العلم وانفتاح بابه .
نعم ، مع حصول العلم بالواقع فعلا لا يبقى موضع للرجوع إلى الأمارة ، بل لا معنى لحجيتها حينئذ ، لا سيما مع مخالفتها للعلم ؛ لأن معنى ذلك انكشاف خطئها .
ومن هنا كان هذا الأمر موضع حيرة الأصوليين وبحثهم ، إذ للسائل - كما سيأتي - أن يسأل : كيف جاز أن تفرضوا صحة الرجوع إلى الأمارات الظنية مع انفتاح باب العلم بالأحكام ، إذ قد يوجب سلوكها تفويت الواقع عند خطئها ؟ ولا يحسن من الشارع أن يأذن بتفويت الواقع مع التمكن من تحصيله ، بل ذلك قبيح يستحيل في حقه .