وعليه ، فلا يعقل التصرف بأسبابه ( 1 ) ، كما نسب ذلك إلى بعض الأخباريين من حكمهم بعدم تجويز الأخذ بالقطع إذا كان سببه من مقدّمات عقلية ، وقد أشرنا إلى ذلك في المجلد الأوّل ، ص 366 .
وكذلك لا يمكن التصرف فيه من جهة الأشخاص بأن يعتبر قطع شخص ولا يعتبر قطع آخر ، كما قيل بعدم الاعتبار بقطع القطاع قياسا على كثير الشكّ الذي حكم شرعا بعدم الاعتبار بشكه في ترتب أحكام الشك .
وكذلك لا يمكن التصرف فيه من جهة الأزمنة ولا من جهة متعلقه ؛ بأن يفرق في اعتباره بين ما إذا كان متعلقه الحكم فلا يعتبر ( 2 ) ، وبين ما إذا كان متعلقه موضوع الحكم أو متعلقه فيعتبر ( 3 ) .
فإن القطع في كل ذلك طريقيته ذاتية غير قابلة للتصرف فيها بوجه من الوجوه ،
شرح
بالنسبة إلى تلك الحرمة ، ووجه التسمية هو : أن القطع في هذه الصورة مجرد طريق إلى الحرمة الثابتة للحم الخنزير في الواقع وفي عالم الجعل . وهذا القطع حجة ومنجز على المكلف .
وأما المراد من القطع الموضوعي فهو : ما أخذ قيدا في ثبوت الحكم . كأن يحكم الشارع المقدس بأن ما تقطع بأنه خمر حرام ، فلا يحرم الخمر إلّا إذا قطع المكلف بأنه خمر ، يسمى القطع في هذه الصورة بالقطع الموضوعي لأنه دخيل في وجود الحرمة ، فالحرمة ليست لها وجود واقعا ، وإنما القطع هو الذي أنشأها وأولدها . وهذا القطع ليس حجة ومنجزا . إذا : في هذه الصورة لا يكون القطع بالخمرية منجزا للحرمة لأنه لا يكشف عنها كما في القطع الطريقي . وإنما يولدها وينشئها .
قال السيد ميرزا حسن البجنوردي في كتابه منتهى الأصول ، ج 2 ، ص 25 : إنه يمكن أن يكون المراد من مقالة الأخباريين من أن القطع الحاصل عن المقدّمات العقلية ليس بحجّة هو القطع الموضوعي ، بمعنى : أنّ الشارع قيّد موضوع الأحكام الواقعية بالقطع بتلك الأحكام من غير المقدمات العقلية ، وبناء على هذا : لا يكون كلامهم مستهجنا كما توهّموا وتخيّلوا واستشكلوا عليهم بأنّ حجيّة القطع ذاتي ولا يمكن رفعه ونفيه ، كما لا يمكن إثباته ووضعه .
( 1 ) أي : أسباب القطع . ومحصل هذا الكلام هو : أنه ما دامت الحجيّة هي عين القطع ولازم ذاتي للقطع يستحيل سلبها عنه مهما كانت أسباب القطع ، خلافا للأخباريين القائلين بأن القطع إذا كان ناشئا من سبب عقلي فهو ليس بحجة ، وأما إذا كان ناشئا من سبب شرعي فهو حجة ، وهذا غير معقول ؛ لأنه يلزم التفكيك بين الشيء وذاتياته ، ونسبة هذا القول إلى الأخباريين فيه تأمل . فراجع الكفاية .
( 2 ) وذلك فيما لو كان القطع بالحرمة فإن متعلق القطع هو الحكم .
( 3 ) وذلك في قوله : « صلّ » فإن موضوع الحكم هو المكلف ، ومتعلق الحكم « صلّ » الصلاة ، فالقطع في هذين الموردين يكون معتبرا .