وهذا تناقض بحسب نظر القاطع ووجدانه يستحيل أن يقع منه حتى لو كان في الواقع على خطأ في قطعه الأوّل ، ولا يصح هذا إلّا إذا تبدّل قطعه وزال . وهذا شيء آخر غير ما نحن في صدده .
والحاصل : أن اجتماع القطعين بالنفي والإثبات محال كاجتماع النفي والإثبات ، بل يستحيل في حقه حتى احتمال إن قطعه ليس طريقا إلى الواقع . فإن هذا الاحتمال مساوق لانسلاخ القطع عنده وانقلابه إلى الظن ، فما فرض أنه قطع لا يكون قطعا ، وهو خلف محال .
وهذا الكلام لا ينافي أن يحتمل الإنسان أو يقطع أن بعض علومه على الإجمال غير المعين في نوع خاص ولا في زمن من الأزمنة كان على خطأ ، فإنه بالنسبة إلى كل قطع فعلي بشخصه لا يتطرق إليه الاحتمال بخطئه ، وإلّا لو اتفق ذلك لا نسلخ عن كونه قطعا جازما .
نعم لو احتمال خطأ أحد علوم محصورة ومعينة في وقت واحد فإنه لا بدّ أن تنسلخ كلها عن كونها اعتقادا جازما ، فإن بقاء قطعه في جميعها مع تطرق احتمال خطأ واحد منها لا على التعيين لا يجتمعان .
والخلاصة : أن القطع يستحيل جعل الطريقية له تكوينا وتشريعا ( 1 ) ، ويستحيل نفيها عنه ، مهما كان السبب الموجب له ( 2 ) .
* * *
شرح
( 1 ) بالجعل التأليفي .
( 2 ) تلخص من هذا الكلام : أن الحجيّة ثابتة للقطع لأنها من لوازمه الذاتية . وأنه يستحيل أن تنفك الحجيّة عن القطع ؛ لأن اللازم لا ينفك عن الملزوم .
والمراد من القطع الذي تكون المنجزية والحجيّة من لوازمه : هو القطع بتكليف المولى « سبحانه وتعالى » ، وأما القطع بتكليف من غير المولى فليس بحجة وليس منجزا على المأمور .
قلنا : إن المنجزية لا تنفك عن القطع بالتكليف ، ولا يمكن للمولى الترخيص في مخالفة القطع نفيا أو إثباتا ، كما لا فرق في كون القطع حجة سواء كان مصيبا أو مخطئا للحكم الواقعي .
كما لا يخفى : أن المراد من القطع الحجة هو القطع الطريقي دون الموضوعي . وتوضيح ذلك نقول :
يوجد عندنا قطع طريقي وموضوعي ، والمراد من القطع الطريقي هو : ما كان طريقا للحكم الواقعي .
وبعبارة أخرى : تارة : يحكم الشارع بحرمة لحم الخنزير مثلا فيقطع المكلف بالحرمة أي : قطع المكلف إن هذا اللحم لحم خنزير ، وبذلك يصبح التكليف منجزا عليه ، ويسمى هذا القطع بالقطع الطريقي