وعليه ، فلا معنى لفرض جعل الطريقية للقطع جعلا تأليفيا أي : بأي نحو فرض للجعل ، سواء كان جعلا تكوينيا أم جعلا تشريعيا ( 1 ) ، فإن ذلك مساوق لجعل القطع لنفس القطع ، وجعل الطريق لذات الطريق .
وعلى تقدير التنزل عن هذا وقلنا : من قال إن القطع شيء له الطريقية والكاشفية عن الواقع ، كما وقع في تعبيرات بعض الأصوليين المتأخرين عن الشيخ . فعلى الأقل تكون الطريقية من لوازم ذاته التي لا تنفك عنه ، كالزوجيّة بالنسبة إلى الأربعة ( 2 ) ، ولوازم الذات كالذات يستحيل أيضا جعلها بالجعل التأليفي على ما هو الحق ، وإنما يكون جعلها بنفس جعل الذات جعلا بسيطا لا بجعل آخر وراء جعل الذات . وقد أوضحنا ذلك في مباحث الفلسفة .
وإذا استحال جعل الطريقية للقطع استحال نفيها عنه ؛ لأنه كما يستحيل جعل الذات ولوازمها يستحيل نفي الذات ولوازمها عنها وسلبها بالسلب التأليفي ( 3 ) .
بل نحن إنما نعرف استحالة جعل الذات والذاتي ولوازم الذات بالجعل التأليفي ؛ لأنا نعرف أوّلا امتناع انفكاك الذات عن نفسها وامتناع انفكاك لوازمها عنها ، كما تقدم بيانه .
على أن نفي الطريقية عن القطع يلزم منه التناقض بالنسبة إلى القاطع وفي نظره ، فإنه - مثلا - حينما يقطع بأن هذا الشيء واجب يستحيل عليه أن يقطع ثانيا بأن هذا القطع ليس طريقا موصلا إلى الواقع ، فإن معنى هذا أن يقطع ثانيا بأن ما قطع بأنه واجب ليس بواجب مع فرض بقاء قطعه الأوّل على حاله .
شرح
( 1 ) فحينما يوجد الجسم فكل لوازمه التكوينية توجد له ، منها كونه يشمل حيزا من الفراغ لا إن الشارع يجعلها .
كذلك الشارع لا يجعل الحجية للقطع عند حصوله للمكلف لا تكوينيا ولا تشريعيا ، بأن لو حصل القطع للمكلف لا يأتي الشارع قائلا : جعلت لقطعك الحجية ، أي : فيما لو قطع المكلف بشيء ما ، وحصل له الانكشاف التام لا يعقل أن يجعل الشارع الانكشاف التام لهذا الانكشاف التام الذي حصل للمكلف .
( 2 ) فإن الزوجية لا تنفك عن الأربعة ؛ لأن الأربعة من اللوازم الذاتية للزوجية ، وكذلك لا يمكن جعل الزوجية للأربعة لنفس النكتة .
( 3 ) نعم يمكن سلبها بالسلب البسيط بأن نقول : الأربعة غير موجودة ، فإذا نفيت الأربعة تنتفي الزوجيّة .