وإلى تعريف القاعدة نظر من عرف الاستصحاب بأنه : ( إبقاء ما كان ) .
فإن القاعدة في الحقيقة معناها : إبقاؤه حكما ، وكذلك من عرفه بأنه : ( الحكم ببقاء ما كان ) ، ولذا قال الشيخ الأنصاري عن ذلك التعريف : ( والمراد بالإبقاء :
الحكم بالبقاء ) ( 1 ) ، بعد أن قال : ( إنه أسد التعاريف وأخصرها ) .
ولقد أحسن وأجاد في تفسير الإبقاء بالحكم بالبقاء ، ليدلنا على أن المراد من الإبقاء الإبقاء حكما الذي هو القاعدة ، لا الإبقاء عملا الذي هو فعل العامل بها .
* * *
وقد اعترض على هذا التعريف الذي استحسنه الشيخ بعدة أمور نذكر أهمها ونجيب عنها :
منها : لا جامع للاستصحاب بحسب المشارب فيه من جهة المباني الثلاثة الآتية في حجيته ، وهي : الأخبار ، وبناء العقلاء ، وحكم العقل .
فلا يصح أن يعبر عنه بالإبقاء على جميع هذه المباني ؛ وذلك لأن المراد منه : إن كان الإبقاء العملي من المكلف فليس بهذا المعنى موردا لحكم العقل ؛ لأن المراد من حكم العقل هنا : إذعانه كما سيأتي ، وإذعانه إنما هو ببقاء الحكم لا بإبقائه العملي من المكلف . وإن كان المراد منه : الإبقاء غير المنسوب إلى المكلف ، فمن الواضح : إنه لا جهة جامعة بين الإلزام الشرعي الذي هو متعلق بالإبقاء وبين البناء العقلائي والإدراك العقلي .
والجواب يظهر مما سبق ، فإن المراد من الاستصحاب هو : القاعدة في العمل المجعولة من قبل الشارع ، وهي قاعدة واحدة في معناها على جميع المباني ، غاية
شرح
( 1 ) ذهب الشيخ الآخوند « قدّس سرّه » صاحب الكفاية إلى تعريف الاستصحاب بأنه « الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه » . والمراد « ببقاء حكم » : هو الشك في بقاء الحكم كما لو شك المكلف في بقاء وجوب صلاة الجمعة ، فإنه يستصحب بقاء حكم وجوب صلاة الجمعة ، هذا يعبرون عنه بالاستصحاب الحكمي .
- والمراد من « أو موضوع ذي حكم » في التعريف : هو الشك في بقاء موضوع الحكم ، كما لو شككنا في بقاء الكرية ، أو العدالة فإنه يستصحب بقاء الكرية الذي هو موضوع الطهارة ، ويستصحب بقاء العدالة التي هي موضوع جواز الائتمام بالإمام في الصلاة .
فإذا لم يكن المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا للحكم الشرعي فلا معنى للتعبد ببقائه .