الأمر : أن الدليل عليها تارة : يكون الأخبار ، وأخرى : بناء العقلاء ، وثالثة : إذعان العقل الذي يستكشف منه حكم الشرع ( 1 ) .
ومنها : إن التعريف المذكور لا يتكفل ببيان أركان الاستصحاب من نحو اليقين
شرح
( 1 ) قال فضية الأستاذ الشيخ هادي آل الشيخ راضي في شرح هذه العبارة ما يلي : ( حينما نطرح موضوع الاستصحاب للبحث ، ونريد أن نعرفه قبل أن ندخل في التفاصيل لا بد أن نعرفه هنا بتعريف ينسجم مع جميع المشارب من جهة المباني الثلاثة ( أي : ينسجم مع من يرى أن الاستصحاب ثابت ببناء العقلاء ، وبحكم العقل ، وبالأخبار ) .
وهنا لما عرفوا الاستصحاب ب « إبقاء ما كان » هذا لا ينسجم مع كل المشارب في الاستصحاب ، لما ذا لا ينسجم ؟
لأنه لا يخلو الإبقاء في التعريف إما أن يراد به الإبقاء العملي أو الإبقاء غير المنسوب إلى المكلف ( أي :
الإبقاء الحكمي ) .
فإن كان المراد من الإبقاء في التعريف الإبقاء العملي : فهذا لا ينسجم مع من يرى أن الاستصحاب ثابت بحكم العقل ، لأن الإبقاء العملي من قبل المكلف ليس موردا لحكم العقل ، فحكم العقل معناه :
إذعانه وتصديقه ، والعقل إنما يذعن بالحكم بالبقاء لا إنه يذعن بالإبقاء العملي من قبل المكلف لأنه عمل جزئي صادر من المكلف في الخارج ، فالعقل لا يدرك الجزئيات بل يدرك الأمور الكلية كالحكم بالبقاء .
وأما إذا كان المراد من الإبقاء في التعريف هو الإبقاء غير المنسوب إلى المكلف يقول المصنف : أيضا لا جامع لكل المشارب إذ لا جهة جامعة بين الإلزام الشرعي الذي هو متعلق بالإبقاء ، وبين البناء العقلائي والإدراك العقلي .
فبناء على أن مستند الاستصحاب هو حكم الأخبار تكون العبارة « الحكم بالإبقاء » .
وبناء على أن مستند الاستصحاب هو حكم العقل تكون العبارة « إدراك العقل بالبقاء » . وبناء على أن مستنده بناء العقلاء تكون العبارة « البناء العقلائي على البقاء » .
ولا يوجد جهة جامة بينهم فإن الحكم بالبقاء غير إدراك البقاء ، وغير إذعان العقل بالبقاء ، وغير بناء العقلاء على البقاء .
إذا : هذا التعريف لا يجمع كل المشارب والمسالك الموجودة في الاستصحاب .
يجيب المصنف قائلا : إن المراد من الاستصحاب هو القاعدة في العمل المجعولة من قبل الشارع . وهي قاعدة واحدة في معناها على جميع المباني ، غاية ما في الأمر : أن هذه القاعدة مدركها يختلف فمرة يكون مدركها الأخبار ، فالأخبار تثبت القاعدة مباشرة ، ومرة يكون مدركها بناء العقلاء بضميمة إمضاء الشارع لهذا البناء فيثبت جعل القاعدة شرعا ، ومرة يكون مدركها حكم العقل بالملازمة بين حكم العقل ، وبين حكم الشرع أيضا تثبت حكم الشرع بالبقاء .
إذا : الاستصحاب عبارة عن القاعدة المجعولة شرعا .