وإنما صح إطلاق هذه الكلمة على هذه القاعدة في اصطلاح الأصوليين ، فباعتبار أن العامل بها يتخذ ما تيقن به سابقا صحيبا له إلى الزمان اللاحق في مقام العمل .
وعليه : فكما يصح أن تطلق كلمة الاستصحاب على نفس الإبقاء العملي من الشخص المكلف العامل ؛ كذلك يصح إطلاقها على نفس القاعدة لهذا الإبقاء العملي ؛ لأن القاعدة في الحقيقة إبقاء واستصحاب من الشارع حكما .
إذا عرفت ذلك ، فينبغي أن يجعل التعريف لهذه القاعدة المجعولة ، لا لنفس الإبقاء العملي من المكلف العامل بالقاعدة ؛ لأن المكلف يقال له : عامل بالاستصحاب ومجر له ، وإن صح أن يقال له : أنه استصحب ، كما يقال له : أجرى الاستصحاب ( 1 ) .
وعلى كلّ ، فموضوع البحث هنا هو هذه القاعدة العامة . والمقصود بالبحث :
إثباتها وإقامة الدليل عليها وبيان مدى حدود العمل بها ، فلا وجه لجعل التعريف لذات الإبقاء العملي الذي هو فعل العامل بالقاعدة كما صنع بعضهم فوقع في حيرة من توجيه التعريفات ( 2 ) .
شرح
لازمه ، واستصحبت الكتاب وغيره حملته صحبتي ، ومن هذا القبيل : استصحاب الحال إذا تمسكت بما كان ثابتا ، كأنك جعلت تلك الحال مصاحبة غير مفارقة » . ومنه استصحاب أجزاء ما لا يؤكل في الصلاة ، واستصحاب الخاتم الذي عليه لفظ الجلالة في بعض المواضع ، ونحوهما .
( 1 ) ما هو الفرق بين الإبقاء العملي ، والإبقاء الحكمي ؟ ج : المراد من الإبقاء العملي هو : ما يطلق على عمل المكلف ، فالمكلف حينما يستصحب ما تيقن به سابقا ، أي : يتخذه صاحبا إلى زمان الشك ، وهذا الاستصحاب بالمعنى اللغوي .
وأما المراد من الإبقاء الحكمي فهو : القاعدة المجعولة شرعا ، وهو : عبارة عن الحكم بإبقاء المتيقن إلى زمان الشك من قبل الشارع .
وبعبارة أخرى نقول : الشارع يحكم بإبقاء المتيقن سابقا إلى زمان الشك ، وهذا الاستصحاب بالمعنى الاصطلاحي .
فالفرق بين الإبقاء العملي والحكمي واضح ، ولذا تقول في بعض الأحيان : المكلف استصحب ، ومرة أخرى تقول : المكلف أجرى الاستصحاب .
فالعبارة الأولى إشارة إلى إطلاق الاستصحاب على الإبقاء العملي من قبل المكلف ، والعبارة الثانية إشارة إلى الإبقاء الحكمي الذي حكم به الشارع .
( 2 ) وبعبارة أخرى نقول : لما كان الكلام عن القاعدة الشرعية الثابتة بالأدلة ناسب أن يعرف الاستصحاب بالإبقاء الحكمي .