تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
وإنما المعقول من جعل القطع هو جعله بالجعل البسيط ( 1 ) ، أي : خلقه وإيجاده ( 2 ) .
شرح
( 1 ) لأجل إيضاح هذه العبارة نطرح سؤالا ، ومن خلال الإجابة على هذا السؤال يتضح المطلب . هل يمكن جعل الحجية من قبل الشارع إلى القطع ؛ كأن يقول جعلت القطع حجة أم لا ؟ هذا بالنسبة إلى السؤال الأول . السؤال الثاني : هل يمكن للشارع سلب الحجية عن القطع أم لا ؟ الجواب عن السؤال الأول : لا يمكن جعل الحجية للقطع . لما ذا ؟ لأن جعل شيء لشيء إنما يعقل في غير اللوازم الذاتية لشيء . الجواب عن السؤال الثاني : ومحصله : لا يمكن سلب الحجيّة عن القطع لوجهين : ونكتفي بالوجه الأول : وهو إنه لا يمكن سلب الحجيّة عن القطع بالأولوية ، وتصوير الأولوية هو : إذا لم يجز جعل الحجيّة للقطع فمن باب الأولى لا يمكن سلبها بالجعل التأليفي . نعم بالجعل البسيط ممكن بأن يسلب القطع من نفس هذا الإنسان ، بالتالي سلبت الحجيّة . ولتوضيحه أكثر نقول : « إن الجعل على قسمين : أحدهما : الجعل البسيط ، وهو الإيجاد بمفاد « كان » التامة ، كجعل زيد - أي : إيجاده - ولا ريب في أن القطع مجعول بهذا المعنى ، ضرورة : كونه حادثا لا قديما ، ولكن ليس هذا الجعل موردا للبحث . ثانيهما : الجعل التأليفي ، وهو الإيجاد بمفاد « كان » الناقصة ، بمعنى : جعل شيء لشيء ، ويتحقق ذلك في الأعراض المفارقة والمحمولات غير الضرورية ؛ كجعل زيد عالما أو عادلا - أي : إثبات العلم أو العدالة له - وهذا الجعل لا يتصور في المحمولات البينة الثبوت للموضوعات ؛ بحيث يكون ذات الموضوع علة تامة لوجود المحمول ، كما لا يعقل في المحمولات الممتنعة الثبوت للموضوعات ، والجعل بهذا المعنى هو محل الكلام ، وقد منعه المصنف ( أي : الآخوند ) في القطع بوجهين : الوجه الأول : وحاصله : أن الجعل التأليفي يتصور في المحمولات المفارقة ليستند ثبوتها لموضوعاتها إلى الجعل كالعالم والعادل المحمولين على زيد مثلا . وأما المحمولات التي هي من لوازم موضوعاتها ولا تنفك عنها ، بل هي ضرورية الثبوت لها ، فلا تقبل الجعل أصلا كالزوجية للأربعة ، حيث أنها مجعولة بجعل نفس الأربعة ، ولا يعقل جعلها لها لا تكوينا ولا تشريعا ، ولا إثباتا ولا نفيا ، لأن الغرض منه هو إيجاد محمول لموضوع بحيث يستند وجود المحمول له إلى الجعل ، وهذا الغرض حاصل بدونه ، فيصير لغوا ، لعدم تأثيره في وجود المحمول للموضوع لا حدوثا ولا بقاء . ويلزم الخلف أيضا ، إذ المفروض : كون الحجيّة من اللوازم التي لا تنفك عن القطع ، ومن المعلوم : أن مورد الجعل التأليفي هو المحمولات القابلة للانفكاك عن موضوعاتها ، فيلزم الخلف من جعل الحجيّة له » « 1 » . ( 2 ) فمن حين إيجاد القطع تلحظ آثاره الذاتية التي منها الحجية ؛ كأن يخلق القطع في نفس الإنسان أولا وبالذات ثم ينسب له ثانية وبالعرض الحجية .
هامش
( 1 ) منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، ج 4 ، ص 27 .