ويظهر لنا - حينئذ - كأنه لا معنى لأن يقال في تعليل حجيته الذاتية : أن وجوب متابعته أمر ذاتي له .
وإذا اتضح ما تقدم وجب علينا توضيح معنى كون القطع طريقا ذاتيا ، وهو كل البحث عن حجية القطع ، وما وراءه من الكلام فكله فضول ، وعليه فنقول :
تقدّم أن القطع حقيقته انكشاف الواقع ، لأن حقيقة نورية محضة لا غطش فيها ولا احتمال للخطإ يرافقها . فالعلم نور لذاته نور لغيره ، فذاته نفس الانكشاف لا أنه شيء له الانكشاف .
وقد عرفتم في مباحث الفلسفة : أن الذات والذاتي يستحيل جعله بالجعل التأليفي ( 1 ) . لأنّ جعل شيء لشيء إنّما يصح أن يفرض فيما يمكن فيه التفكيك بين المجعول والمجعول له . وواضح أنه يستحيل التفكيك بين الشيء وذاته ، أي : بين الشيء ونفسه ، ولا بينه وبين ذاتياته .
وهذا معنى قولهم المشهور : « الذاتي لا يعلل » .
شرح
( 1 ) ما المراد من الذات والذاتي ؟
الذات : هو الموجود لا في موضوع كزيد . ويقابله العرض وهو الموجود في موضوع كالبياض .
الذاتي : هو « المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به غير خارج عنها . ونعني ( بما تتقوم ذات الموضوع به ) : إن ماهية الموضوع لا تتحقق إلّا به فهو قوامها » . [ المنطق للشيخ محمّد رضا المظفر « قدس سره » ] .
فإذا وضحت هذه المقدمة نقول : يستحيل جعل الذات والذاتي بالجعل التأليفي .
ومثال الأوّل ، فإن المشمشة يستحيل إيجادها بالجعل التأليفي ، لأن الجعل التأليفي يستدعي الاثنينية والتغاير ، مع أن المشمشة شيء واحد .
أو قل : لو أمكن جعل المشمشة بالجعل التأليفي لكانت المشمشة في آن ما ليست بمشمشة حتى تثبت لها المشمشية ، وهذا غير معقول ؛ لأنه يلزم التفكيك بين الشيء ( المشمشة ) وذاته ( التي هي نفس المشمشية ) ؛ لأنه غير معقول أن توجد ذات المشمشة من دون المشمشية .
إذا : المعقول أن توجد ذات المشمشة بالجعل البسيط ، فإنّه من حين أن توجد المشمشة وجدت . هذا بالنسبة إلى الذات .
وأما بالنسبة إلى الذاتي فمثاله : الإنسان حيوان ناطق . يستحيل التفكيك بين الذات وذاتياته ، وإلّا لو فرض التفكيك للزم أن يكون الإنسان في يوم من الأيام ليس بحيوان ناطق ، وهذا يعني : أن الإنسان يغاير الحيوان الناطق ، إذا : المعقول أن توجد ذات الإنسان بالجعل البسيط ، أي : من حين أن يوجد الإنسان توجد معه ذاتياته . وأما اللذان يمكن أن يجعلا بالجعل التأليفي فهما العرض والعرضي .